عصام حقي: التسامي - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

السبت، 16 مايو 2020

عصام حقي: التسامي

عصام حقي، شيء من الرمضانيات: التسامي
عصام حقي، شيء من الرمضانيات: التسامي

عصام حقي

سواء أكانت قصة قيس بن الملوح وليلى العامرية قصة حقيقيّة أم هي من نسج الخيال ومن إبداع مخيلة رومانسية تعشق الألم وتمجده، فإنّ الباحث المتتبع سيدرك بسهولة أنّ قيساً وليلى شخصيتان من أرض الواقع ، لكنّ الكثير من القصص التي صاغها الشعراء والأدباء حولهما كانت من بنات الخيال؛ وربما كانت نوعاً من الترف الأدبيّ، لإثارة التشويق، أو لإثراء المشاعر العاطفية الحالمة.

* * *

ومهما يكن من أمر فإن قيساً الصبي الصغير، وليلى ابنة عمه، ترعرعا معاً يرعيان المواشي لأهلهما، لينشأ بينهما ارتباط روحي ومودّة شفافة، يتطور بعدُ بوضوح إلى حبّ وهيام.
وعندما كبر قيس، واقتضت أعراف البادية حجبها عنه، شكّل غيابها فراغاً نفسياً رهيباً، صار يتمنى معه عودة عجلة الزمن إلى تلك الحقبة الجميلة، حقبة الرعي البهيج:
صــغيرين نرعى البهمَ يا ليت أننا
                                         إلى اليوم لم نكبر، ولم تكبرِ البهمُ

* * *

وهكذا كانت لوعة قيس وشوقه إليها بازدياد مستمر، ونار هواها بقلبه بشبوب واتقاد، والأمل بلقائها بنمو مطرد:
تذكرت ليــلى والسنين الخواليا
                                      وأيام لا نخشى على اللهو ناهيا
وقد يجمـع الله الشـتيـتيـن بعدما
                                      يظنــان كل الظنّ أن لا تلاقيــا

* * *

وتستفحل أزمته ، بل تتحوّل إلى مأساة حين أعد المهر الثمين، وتقدم لأبيها طالباً يدها، ليُرفض الطلب بحكم الأعراف التي لاتسمح بزواج من ذاع حبهما بين الناس، بل تعد هذا الزواج نوعاً من العار.

* * *



أجل لقد رفضه أبوها، وأرغمها على الزواج من شاب ثقفيّ يدعى (ورد)؛ لتتطوّر مأساته إلى حالة نفسيّة، فراح يطوّف في البراريَ والقفار، ينشد الشعر، ويلهج باسم حبيبته:
قضاها لغيري وابتلاني بحبّها
                                     فهلّا بشيءٍ غير ليــلى ابتلانيا
فهل من وسيلة للشفاء من هذا الحب ومعاناته؟
أعــــد الليـــالي ليــلةً بعد ليـــلةٍ
                                    وقد عشــت دهراً لا أعد اللياليا
أحبّ من الأسماء ماوافق اسمها
                                    وأشــبهــه أو كان منه مدانيــــا
ولم يعد يملك سبيلاً إلّا النوم لعل خيالاً منها يراوده على جناح الأحلام، بعد الحرمان منه على أرض الحقيقة:
وإنّ لأسـتغشي وما بي نعسة
                                   لعل خيــالاً منك يلقى خيــاليا
فيارب سوِّ الحبّ بيني وبينها
                                   يكون كفــافاً لاعــليّ ولا ليـا

* * *

فكيـف كانت نهاية حبّهما؟ وكيف مات قيس (المجنون)؟
ثمة روايات عديدة حيكت حول هذا الموضوع، ولعل أشدها تأثيراً تلك الرواية التراجيديّة التي عرضت مشهداً من مشاهد الخاتمة المأسوية لحياته. وهي إحدى الخواتيم التي كنت سمعتها منذ زمن، ولم أعثر على سندها مكتوباً.. ولكنها، على كلّ حال، خاتمة نستطيع من ثناياها أن نتساءل عن إمكانيّة الفصل بين المادة والقيمة.. كما سيفصل قيس بين ليلى (الإنسان)، وبين حبّه لها (القيمة):
فقد قيل: إن قيساً - بعد حرمانه ويأسه من تلاقٍ من جديد - هام على وجهه في البادية، تحت شمس الصحراء الحارقة، وعلى درب رمالها الملتهبة، وقد تيبّست حنجرته، وتشققت شفتاه، ومضى لا يشعر بألم سوى البعد، ولاظمأ سوى الظمأ لرؤيتها..
ضرب في الأرض، وقد تعطلت لغة الكلام على شفتيه المتشققتين، وما عاد يتفوّه إلا بكلمة واحدة يردّدها بلا توقّف ولا عياء:
ليلى .. ليلى.

* * *

ولما خارت قواه، وتهاوى جسده، وسقط أرضاً، والتصق خدّه بالرمال الملتهبة، وشخصت عيناه إلى السماء، راح لسانه يردد بخفوت نداءه الهامس الذي يكاد لا يسمع: (ليلى) ...

* * *

بحث قومه عنه كثيراً حتى عثروا عليه، على تلك الحالة من التهالك والعياء، فأسرعوا إليه بجرعة ماء، دون أن يتوقّف لسانه عن اسمها..

* * *

أتوا بليلى، لعل في رؤيتها شفاءً له ممّا ألمّ به. ولما دنت منه، وصار بإمكانه رؤيتها
رنا إليها بطرف عينه بفتور، وأشار لها بيده طالباً منها الابتعاد عنه، قائلاً قبل أن يلفظ النفس الأخير عبارته الشهيرة:
(إليك ِعني .... إليكِ عني ...... فقد شغلني حبّكِ عنكِ)...!

* * *

فارق قيس الحياة وهو متيّم بحبّها.. متيّم بحبها.. لا بها!
إنّها حالة إنسانيّة فريدة، ينسلخ فيها الإنسان عن المادة والجسد، ليتعلّق بالقيمة ويتسامى معها تسامياً روحيّاً شفافاً..!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق