علم الوراثة والبصمة الوراثية - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الثلاثاء، 19 مايو 2020

علم الوراثة والبصمة الوراثية

علم الوراثة والبصمة الوراثية
علم الوراثة


من المعلوم أن مكتشف القواعد الأساسية للتوارث في الكائنات مميزة النواة هو جريجور ماندل، وهو أول عالم يطبق وبكفاءة الطرق الكمية لدراسة توريث الصفات. وعلى الرغم من أن مندل لم يكتشف ملاحظاته، لكنه خطط تجاربه بطريقة مقنعة وجيدة، ودوّن نتائجه وجدولها لعمل تحليل رياضي لها. وبالرغم من أن عمله هذا لم يدرك إدراكاً كاملاً خلال حياته لكن أعيد اكتشافه عام 1900، فثلاثة من اكتشافاته تعرف الآن بأساسيات مندل للسيادة والانعزال والتصنيف المستقل، والتي أصبحت أساس علم الوراثة لاحقاً. (1)

دراسة تعبيرات الجينات

وامتداداً لأساسيات مندل هذه.. ربط علماء الوراثة الأوائل (في البداية) بين انتقال المعلومات الوراثية من جيل إلى جيل آخر مع سلوك الكروموسومات أثناء الانقسام الميوزي. كما كرر هؤلاء العلماء تجارب مندل أيضاً، وخلال دراستهم على عدد مختلف من الكائنات الحية أكدوا ما وجده مندل، وأضافوا إلى قائمة اكتشافاته بعض الاستثناءات والتي تتضمن ظاهرة الارتباط، والارتباط بالجنس، والصفات التي يتحكم في وراثتها عدد كبير من الجينات.
ولم يكتف علماء الوراثة بدراسة انتقال الجينات، فدرسوا تعبيرات الجينات أيضاً. ثم تطور علم الوراثة بعد ذلك حتى أصبحت نقلاته سريعة جداً ومتلاحقة في الآونة الأخيرة، وأصبح لهذا العلم العديد من المجالات التي يهتم بها الباحثون لدرجة أننا أصبحنا نسمع آراء مختلفة ومتباينة داخل المجال الواحد. وأصبح ما يقال اليوم ليس بالضرورة أن يكون صحيح غداً. كذلك نجد أن فهمنا للخصائص الوراثية للكائنات الحية قد تقدم بسرعة مذهلة، وكلما ندرس ظاهرة ونعرف جزءاً من آلياتها نجد أن نسبة الذي لا نعرفه ازدادت بدرجة أكبر من قبل. (2)
وخلاصة القول إن علم الوراثة مثله مثل العلوم الأخرى كلما تطّلع عليه وتزداد معرفتك عنه تدرك أن نسبة الذي لا تعرفه قد زادت بدرجة أكبر.



مفهوم علم الوراثة

لعل علم الوراثة بات واحداً من أهم فروع "علوم الحياة" لارتباطه المباشر بجذور الإنسان وتكوينه وما تتناقله البشرية عبر الأجيال المتتالية. ويصب هذا العلم في بحث وجوه الشبه ونماذج الاختلاف بين أفراد الأسرة من أبوين وأبناء، أو بين من تربطهم ببعضهم البعض صلة قرابة. ومن أهم ما يبحث فيه علم الوراثة هو "المورّثات" أو "الجينات"، وآليات حملها من جيل إلى آخر يليه، وكذلك يبحث هذا العلم في أثر تلك "الجينات" على سمات الكائنات الأخرى الحية.
وجرت العادة أن يربط البشر علم الوراثة بمسألة توارث الصفات أو الملامح، وهذا ما تعارف عليه الناس منذ القديم، فالوراثة لديهم هي الصفات بأنواعها، فيقال: ورث عنه الشجاعة، أو ورثتْ جمال والدتها، أو ورث كرم جده.. إلخ..
لكن الأمور تغيّرت مع تطور العلوم بشكل عام، و"الوراثة" بشكل خاص، وهذا الأخير تطور إلى درجة الاهتمام بمختلف العمليات الحيوية التي تأخذ مكانها في أجسام الكائنات الحية، فبين هذه الكائنات عدد من المظاهر المشتركة ساعدت الدارسين على البناء العلمي عليها، واتخاذها بناء أولياً لبحث ما يميز المواد الحية عن الأخرى غير الحية، ومن ذلك مسائل النمو والتكاثر والحركة والتغذية والتكيّف مع الظروف المتغيرة أو البيئة المحيطة وغيرها من مظاهر فيزيولوجية تشكل منطلقات لفكرة الأنظمة الوراثية في الكائنات.






تجارب ماندل وقوانينه

بدأت ملامح علم الوراثة تظهر على يد العالم النمساوي جريجور مندل (1822 - 1884) الذي تمكن من الوصول إلى نتائج علمية طرحت تفسيرات لموضوع الوراثة انطلاقاً من نبات البسلة "البازلاء" الذي كان يزرعه في حديقة الدير الذي يعيش فيه بالنمسا، ومنه توصل إلى طريقة انتقال الصفات الوراثيّة بين جيل والجيل الذي يليه، أي بين الآباء والأبناء، وفي العام 1866 طرح مندل تفسيرات لنتائج تجاربه عبر سنوات عديدة، لكن دراساته لم تلقَ نصيباً من الاهتمام لغاية العام 1900، أي بعد رحيله بـ16 عاماً. وربما يكون السبب الأهم لعدم الالتفات إلى تجارب مندل هو انجذاب العلماء إلى نظرية داروين التي نالت أصداء كبيرة في ذلك الوقت، إلى أن عثر بعض العلماء على ما دوّنه مندل من ملاحظات في تقاريره العلمية مطلع القرن العشرين.


الأسوب البحثي التجريبي

تميزت تجارب مندل بالأسلوب البحثي التجريبي كمنهج علمي اتبعه مستنداً على ما يطرأ على النبات من تغييرات وتطورات، فقد زرع بذوراً من نبتة البسلة "البازلاء" ذات الزهر الأرجواني، تاركاً إياها تتلقح بصورة ذاتية من أجل الحصول على مجموعة جديدة نقيّة السلالة. ثم انتقل في المرحلة التالية إلى التلقيح باستخدام عملية نقل حبوب اللقاح من نبات مغاير بالشكل من الفصيلة نفسها، فأجرى عمليتي تلقيح متعاكستين بين نبات زهره أرجواني ونبات زهره أبيض ليحصل من خلال العمليتين على الجيل الأول. 
زرع مندل البذور الناتجة من التجربة، وبعد نموّ النبات اكتشف أنّ أزهار الجيل الأول ذات لون أرجواني، وكي يصل إلى سبب اختفاء الزهر الأبيض، عمل على زراعة بذور من الجيل الأول تاركاً إياها تجري عملية التلقيح الذاتي، ليحصل بالنتيجة على مجموعة ذات زهر أرجواني تقدر بثلاثة أرباع الناتج الزراعي من النبات، أما الربع الباقي فزهره أبيض اللون.
لم يتوقف مندل، بل أكمل تجاربه، مكرراً ما فعله باحثاً في كل مرة عن صفة مختلفة، ليحصل على نتائج ترتبط بكل صفة، مثل موقع الأزهار وشكل البذرة ولونها وطول الساق وشكل القرن ولونه، وفي التجارب جميعها تظهر لديه نتائج مماثلة للتجربة الأولى، ففي الجيل الأول تظهر صفة أحد النباتين (الأبوين)، ولا تظهر في الجيل الثاني، وعليه فقد سمّى مندل الصفات التي تظهر في الجيل الأول صفات سائدة، وأطلق على الصفات التي تختفي اسم الصفات المتنحية؟
كما رأى مندل أن الصفات التي تكتسبها الأجيال الجديدة ناتجة عن عوامل داخلية، أطلق عليها مسمى عوامل وراثية، وهي تقابل الجينات المحمولة بالصبغيات في العلم الحديث.


القوانين الوراثية عند مندل 

من خلال تجاربه توصل مندل إلى قانون أسماه "قانون الفصل"، ومفاده أن كل فرد لديه زوج من الجينات لكلّ واحدة من صفاته، وأوضح أنّ جيل الأبوين يورث لجيل الأبناء واحداً من الجينات عشوائيّاً، كما قال إن الجين السائد هو الذي يحدد الصفة السائدة في جيل الأبناء كما في حالة لون عيون لدى الإنسان، ولون الفرو لدى الحيوانات، ولون النباتات.
القانون الآخر لدى مندل هو "التوزيع المستقل" وله اسم آخر "قانون الوراثة"، ويقول إن الجينات التي تعنى بالصفات المنفصلة يتم توريثها لما يأتي من أجيال بصورة مستقلة؛ أي بمعنى آخر، اختيار الجين الذي يورث إحدى الصفات ليس له تأثير في اختيار جين آخر يتولى توريث صفة غيرها.. ومثال على ذلك، هناك اختلاف بين الجينات المورثة لطول الذيل عند القطط عن الجينات المورثة للونها.



الصفات الوراثية وكيفية انتقالها

قادت اختبارات مجهرية خلال القرن الـ19 بعض العلماء إلى اكتشاف "الصبغيات" أو الكروموسومات"، وعملوا على دراسة آليات عمل تلك الصبغيات وكيفية انتقال الحمض النوويّ وغيره من صفات وراثية من الأب والأم خلال مرحلة التكوين الجنيني. وتسمى الصبغيات كذلك بالجينات الوراثية، وهي تتألف من عدد من السلاسل الحمضية التي تقوم بدور أساسي في نشأة الخلايا ضمن جسم الجنين. ومع تطور الدراسات توافقت آراء العلماء على أن ذلك الحمض النووي الحامل للصفات الوراثية كي ينتج بروتيناً محدداً لكل من الوالدين يعمل على تنفيذ مهام محددة خلال مرحلة تشكل الجنين، وذلك الحمض النووي يكون على هيئة سلاسل، أو على شكل هياكل تتكون من 23 زوجاً من الصبغيات.





مرحلة الاكتشاف

في البداية، افترض العلماء والباحثون وجود جينات مهمتها نقل ما لدى الآباء من صفات وراثية إلى الأبناء غير أنهم لم يقدموا بحوثاً علمية تحمل النجاح، إلى أن جاء مندل بتجاربه التي أشرنا إليها، وبالتزامن مع مندل وبعده أكمل عدد من العلماء تجاربهم الجينية ودراساتهم في علم الوراثة، ومنهم البريطاني وصاحب "نظرية التطور" الشهيرة تشارلز داروين (1809 - 1882)، وقد أطلق البيولوجي الألماني والتر فليمينج سنة 1879 مسمى الكروموسومات (الصبغيات) على الصفات الوراثيَّة، ثم تبعه باحث ألماني اسمه ثيودور بوفيري في العام 1914 فوصف بشكل أولي حالة الانقسام الاختزالي لـ"الكروموسومات".
وفي ما يتعلق بآلية انتقال تلك الصفات الوراثيَّة، فالجينات أو المادة الوراثية للكائنات الحية توجد بالحمض النووي المستقر داخل نواة الخلية، وهيئة الحمض تكون كتسلسلات تضم المئات من الأزواج للنيوكلوتيدات الأساسية، وهذه بدورها تكوّن الجينات.

الوظائف الحيوية

أما الوظائف الحيوية للخلايا فمنها: عمل نسخ من مجموعة الجينات، وتتولى عملية الجمع للبروتينات التي تعمل على نقل الجينات إلى جيل الأبناء. والكروموسوم أو الصبغي يحمل آلافاً من الجينات، وكل من هذه الجينات يضم زوجاً من النيوكلوتيدات، أما الإنسان فلديه 23 زوجاً من تلك الكروموسومات، ومسؤولية كل زوج من هذه الكروموسومات نقل سمة أو صفة محددة إلى الابن. وعليه فإن هناك نوعين من الجينات، نوع ينتقل عن طريق الوالد، ونوع ينتقل عن طريق الوالدة. ومن ذلك لون العينين، ولون الشعر، وغيرهما من صفات خاصة كالغمّازات.
وأي خلية في الجسم البشري فيها نسخة تامة من الحمض النووي (الجينات) الخاص به، والخلايا تستخدم عادة ما تحتاجه للعيش من الجينات، وتزيح الباقي منها، ومن اللافت أنه خلال كل دقيقة يعمل الجسم على إنتاج حمض نووي جديد.


الصفات غير الوراثية

ولها اسم آخر وهو المكتسبة، أي تلك التي يحصل عليها الفرد انطلاقاً من البيئة التي تحيط بع بعد عملية التعلم والتدرب عليها أو التعرض لها. وهي صفات غير موجودة أصلاً في جسم الإنسان، ولا توجد أيضاً في الـDNA، ومن ذلك ما يطرأ على لون البشرة من اسمرار بسبب التعرض مرات كثيرة لأشعة الشمس، ومن تلك الصفات المكتسبة كذلك عملية الكتابة وإتقان اللغة.. فالإنسان لا يولد عارفاً بها، بل يتقنها بالتعلم مرحلياً. (3)


البصمة الوراثية

ولها أكثر من اسم مثل الطبعة الوراثية، وبصمة الحمض النووي، وتعد من الوسائل المهمة التي تستخدم للتعرف على الأفراد في المجتمعات بناء على مقارنة أجزاء من الحمض النووي، وصارت البصمة الوراثية من أهم أنماط التقدم الإنساني في البحوث الجنائية، وساعدت على مواجهة الكثير من الأفعال الإجرامية وخفضت منها، والوسيلة في ذلك هي الحصول على أي عنصر ينتمي للإنسان في مكان حدوث الجريمة مثل قطرة من عرقه، أو لعابه، أو شعره، أو أي شيء من مكوناته الجسمية. (4)


تعريف الـDNA وتركيبه

الـDNA هو مادة وراثية توجد في الخلايا العائدة للكائنات الحية، والـDNA هو ما يجعل أي كائن حي مختلفاً عن غيره، وباختصار هو "كود" أو "شيفرة" تحدد ماذا يكون كل جسم، وما تفعل عشرة تريليونات (التريليون = مليون مليون) خلية في الجسم البشري مثلاً. (5)
وبحسب العالمين واطسون وجريج، في العام 1953.. يتكون كل جزيء من الحمض النووي .. أي الـDNA من شريطين في حالة التفاف حول بعضهما البعض، على شكل سلم حلزوني، وفي كل جزيء توجد متتابعات تشكلت من السكر والفوسفات، أما درجات ذلك السلم فتكونها 4 قواعد كيميائية مرتبطة، تحمل الأسماء: أدينين “A” وثايمين “T” وستيوزين “C” وجوانين “G”.. وهذا الجزيء داخل الإنسان يتألف من قواعد يقارب عددها 3 مليارات ونصف المليار، وأي مجموعة من تلك القواعد عبارة عن "جين" من مئة ألف جين موجودة داخل الإنسان. (6)
كذلك فكل مجموعة تتألف من ألفين ومئتي قاعدة مهمتها حمل جين محدد يشكل صفة تميز الشخص، وهذه الصفة ربما تكون لون الشعر، أو تكون لون العينين، أو تختص بالطول، أو الذكاء.. إلخ.. وربما تحتاج صفة واحدة إلى مجموعة جينات كي تمثلها.



اكتشاف البصمة الوراثية

عُرفت البصمة الوراثية بمفهومها المتطور في العام 1984، وحينها نشر الدكتور عالم الوراثة في جامعة ليستر اللندنية أليك جيفريز بحثاً تحدث فيه عن تكرار المادة الوراثية مرات عدة، كما أنها تكرر نفسها ضمن تتابعات غير منتظمة أو مفهومة.. وتابع جيفريز أبحاثه إلى أن اكتشف بعد سنةٍ أن تلك التتابعات تميز كل فرد عن غيره، ومن المستحيل أن تأتي متشابهة لدى شخصين، واستثنى من ذلك التوأم المتماثل، وقال إن إمكانية تشابه المادة الوراثية بين شخصين لا تتجاوز واحد من تريليون، أي إن تشابهها لدى الناس في حكم المستحيل لديه تبعاً لعدد سكان الأرض.
الاكتشاف الذي توصل إليه د. جيفريز سجله باسمه كبراءة علمية سنة 1985، ووضع لتلك التتابعات اسم بصمة الإنسان الوراثية.



آلية الحصول على البصمة الوراثية

التقنية الخاصة بالحصول على البصمة الوراثية حددها الدكتور جيفريز بعدد من النقاط جاءت كالتالي:
- العينة من الـDNA يتم استخراجها من أي مكان في نسيج الجسم، كالدم أو اللعاب أو الشعر..
- يجري تقطيع تلك العينة عن طريق إنزيم يستطيع قص الشريطين المكونين للـ DNA بشكل طولي، وبالتالي يفصل القواعد الخاصة بالأدينين والجوانين في جهة، والثايمين والسيتوزين في جهة أخرى، وهذا الإنزيم يسمى الآلة الجينية، أو مقص الجينات.
- تلك المقاطع تخضع للترتيب عبر ما يدعى "التفريغ الكهربائي"، مما يشكل حالة تشبه الحارات الطولية، يكوّنها الجزء الذي انفصل عن الأصل أي "الشريط"، وطولها يتحدد بعدد تكرارها.
- يجري تعريض المقاطع إلى شريحة فيلم خاص بالأشعة السينية، وتجري طباعتها عليه، لتظهر بعد ذلك على هيئة خطوط غامقة اللون، لكنها متوازية.
تابع د. جيفريز الأبحاث متجاوزاً تلك التقنية، ليدرس عائلة ضمن اختبار عن توريث البصمة، فوجد أن الأبناء لديهم خطوط متوارثة من الأب والأم بالتساوي، أي نصف من كل من الأبوين، لكنها تختلف من شخص إلى آخر. (7)
وطبقاً لتجارب ودراسات د. جيفريز، فإن نقطة صغيرة من الدم كافية كي يتم إجراء اختبار خاص بالبصمة الوراثية، وكذلك يكفي القليل من اللعاب، أو شعرة سقطت من جسم الشخص، بل يكفي أي شيء تابع لجسم الإنسان كي تظهر نتيجة الاختبار الذي يجرى للحصول على البصمة الوراثية. وهنا يستحيل إخفاء هوية الشخص، مما يعني أن بصمات الأصابع التي قد تمسح صارت أقل قيمة بكثير من البصمة الوراثية التي لا يمكن حجبها عن المكان إن وجدت فيه، وربما تنتقل تلك البصمة الوراثية عبر المصافحة بين الأشخاص. وإذا كانت العيّنة المراد اختبارها للبصمة الوراثية صغيرة جداً، بالإمكان إدخالها في اختبار آخر هو تفاعل خاص بإنزيم البوليميريز، وعبره يمكن تطبيق مضاعفة نسبة الـDNA في العينات بشكل عام.
يضاف إلى ما سبق أن البحوث والدراسات والتجارب العلمية توصلت إلى أن البصمة الوراثية ثابتة في الجسم، ولا تتغير بين مكان وآخر فيه، أياً كان النسيج الموجودة داخله.






البصمة الوراثية من العلم إلى المحاكم

انتقلت البصمة الوراثية من مجال الطب حيث كانت تستخدم في ما يُجرى من عمليات لزرع الأنسجة، أو في دراسات الأمراض الجينية.. لتدخل مجال الطب الشرعي، وهنا حققت قفزة نوعية، فصار بمقدور الأطباء التعرف على هويات أصحاب جثث تشوهت، أو معرفة أهالي من فُقدوا من أطفال، وعملت بعض المحاكم في بريطانيا على فتح ملفات مغلقة لجرائم كانت مقيدة ضد مجهولين، وخرج عدد كبير من المسجونين بحكم "براءة" من تهم بجرائم اغتصاب ألصقت بهم لمجرد شبهات أو اتهامات باطلة. كما تمكن العاملون في مجال البصمة الوراثية من إدانة مجرمين بالدليل القاطع. وفصلت تلك البصمة في الأنساب، فصار يعرف عن طريقها الأبناء آباءهم، والعكس..


قضية سام شبرد

ولعل قضية الدكتور سام شبرد إحدى أشهر القضايا التي فصلت بها البصمة الوراثية بعد سنوات طويلة.. و"شبرد" أدين في العام 1955 بقتل زوجته في أوهايو في الولايات المتحدة، وتحولت حكايته لاحقاً إلى مسلسل درامي تلفزيوني سنة 1984 عنوانه "الهارب"، ثم تحولت القصة إلى فيلم سينمائي بالعنوان ذاته.
قضية "شبرد" صارت قضية رأي عام، ومحاكمته أذيعت عبر وسائل الإعلام المسموع، وفي حالة استثنائية سمح مسؤولو المحكمة لوكالات الأنباء بحضور جلسات المحاكمة.. وأجمع سكان الولايات المتحدة على ضرورة اتخاذ أقسى عقوبة ثأراً للقتيلة من الجاني "شبرد".. لكن وعلى الرغم من شدة ضغط الإعلام، أغلقت المحكمة ملفاً في القضية فيه إشارة إلى إمكانية وجود شخص ثالث في الجريمة غير شبرد والمجني عليها، نظراً لوجود آثار دم مجهولة الهوية على سرير القتيلة. (8)
طالب محامو "شبرد" بإعادة المحاكمة بعد 10 سنوات أمضاها سجيناً، وخرج بالبراءة عام 1965.. تلك البراءة التي بقي الكثير من أفراد المجتمع الأمريكي غير مقتنعين بها، إلى أغسطس من العام 1993، حين طالب الابن الوحيد لـ"شبرد" بتطبيق فحص البصمة الوراثية في القضية بعد سنوات على رحيل والده. وفي العام 1998 قضت المحكمة بفحص عينة من جثة الدكتور شبرد، وأثبتت البصمة الوراثية أن الدماء التي كانت على سرير المجني عليها مختلفة عن دماء "شبرد"، وتعود لأحد أصدقاء العائلة، وفي العام 2000 صدر الحكم النهائي ببراءة "شبرد" بناء على نتيجة البصمة الوراثية، ليغلق بها ملف واحدة من أطول محاكمات التاريخ.



قضايا النسب

بعد قضايا الجرائم، دخلت البصمة الوراثية إلى المحاكم في مجال قضايا النسب، فصارت تفصل في تحديد الوالد إذا أنكر نسبة ابنه إليه، وتحدد الابن إذا طالب به أبوه وأنكرت الأم أبوّته له..
ولعل من أشهر قضايا النسب على المستوى العربي قضية الفنانين المصريين أحمد عز وزينة، فزينة أنجبت توأماً أنكر أحمد عز أنه أبوهما، وتذرع محامو أحمد عزّ بعدم وجود عقد زواج شرعي، فما كان من المحكمة إلا أن تعمل على الفصل القطعي في القضية عبر تحويل الملف إلى الطب لاختبار البصمة الوراثية، لتثبت البصمة أنه أبوهما. وبعد ذلك رفضت المحكمة طلب الاستئناف الذي تقدم به أحمد عز، ليسدل الستار في أغسطس الماضي على قضية انشغل بها الرأي العام المصري وتابعها كثير من العرب.



خاتمة

على الرغم من الصعوبات الجمة التي واجهها العلماء في دراسة وراثة الإنسان، لأسباب علمية وإنسانية وأخلاقية. لكنهم توصلوا إلى نتائج مهمة في هذا المجال. فالإنسان عامة لا يعدّ أنموذجاً جيداً لإجراء البحوث الوراثية عليه، فالدراسة الجيدة لنمط الوراثة في نوع ما من الكائنات الحية تتطلب توفر أفراد متطابقين وراثياً، وإجراء تزاوج منضبط بين أولئك الأفراد، وتربية النشء تحت ظروف مضبوطة، إضافة إلى قصر العامل الزمني بين جيل وآخر، فالناس مختلفون وراثياً، وقليل جداً منهم يمكن أن يخضعوا لدراسات وراثية، أو يسمحوا باستخدام أطفالهم للدراسات الوراثية تحت ظروف مخبرية مضبوطة. (9) أما الكائنات المفضلة في الدراسات الوراثية والتي تلبي المعايير المذكورة أعلاه فتشمل البكتيريا والفطريات.. فهذه الكائنات تنتج أفراداً عديدين نتيجة تزاوج كل أبوين وكذلك فإن الزمن الفاصل بين الأجيال المتعاقبة قصير. (10)
وبرغم كل هذه الصعوبات اكتشف العلماء الكثير عن وراثة الإنسان وخاصة في دراسات ما يسمى شجرة النسب (شجرة العائلة)، ودراسة الملفات الطبية لبعض المرضى، حيث أمكن تقديم فرضيات معينة توصل من خلالها العلماء إلى استخدام متطور لعلم الوراثة والبصمة الوراثية.
باختصار، علم الوراثة وما تبعه من فروع وتطبيقات تابعة له، حقق كشوفات جديدة التطور البشري، وربما هناك الكثير مما لم يظهر بعد، فالعلوم في تطور متواصل لا يهدأ، ولا يكاد يمر يوم من دون أن نسمع عن جديد في أحد المجالات الطبية.



المراجع

- أ. د. مدحت حسين خليل محمد، "أساسيات علوم الحياة"، دار الكتاب الجامعي، العين/الإمارات، ط2، 2005.
- أ. د. حميد أحمد الحاج، "بيولوجيا الإنسان"، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، عمان / الأردن، ط2، 2013.
- د. عبدالحسين الفصيل، "الخلية، التركيب الدقيق والوظائف"، الأهلية للنشر والتوزيع، ط1، 2000.
- دانييل كيفلس و ليروي هود، "الشفرة الوراثية للإنسان"، ترجمة: د. أحمد مستجير، سلسلة عالم المعرفة، 1997.
- د. مصطفى ناصف، "الوراثة والإنسان"، سلسلة عالم المعرفة، 1986.
- عباس مغير الربيعي، "علم الوراثة"، محاضرة، جامعة بابل، أكتوبر 2012.
- الموسوعة العربية: علم الوراثة
- البوابة نيوز: استخدام الـDNA في جرائم القتل
http://www.albawabhnews.com/444731
- موسوعة: ويكيبيديا
أليك جيفريز https://ar.wikipedia.org/wiki/

الهوامش:
[1] - أ. د. مدحت حسين خليل محمد، "أساسيات علوم الحياة" دار الكتاب الجامعي، العين/الإمارات، ط2، 2005.
[2] - د. عبدالحسين الفصيل، "الخلية، التركيب الدقيق والوظائف"، الأهلية للنشر والتوزيع، ط1، 2000.
[3] - د. مصطفى ناصف، "الوراثة والإنسان"، سلسلة عالم المعرفة، 1986.
[4] - الموسوعة العربية: علم الوراثة
[5] - د. عبدالحسين الفصيل، "الخلية، التركيب الدقيق والوظائف"، الأهلية للنشر والتوزيع، ط1، 2000.
[6] - عباس مغير الربيعي، "علم الوراثة"، محاضرة، جامعة بابل، أكتوبر 2012.
[7] - موسوعة: ويكيبيديا، أليك جيفريز https://ar.wikipedia.org/wiki/
[8] - البوابة نيوز: استخدام الـDNA في جرائم القتل http://www.albawabhnews.com/44473
[9] - دانييل كيفلس و ليروي هود، "الشفرة الوراثية للإنسان"، ترجمة: د. أحمد مستجير، سلسلة عالم المعرفة، 1997.
[10] - أ. د. حميد أحمد الحاج، "بيولوجيا الإنسان"، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، عمان / الأردن، ط2، 2013.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق