محمد عوض الجشي: طرماح وطمونة - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الجمعة، 18 ديسمبر 2020

محمد عوض الجشي: طرماح وطمونة

محمد عوض الجشي


محمد عوض الجشي

حين اسودت الأيام في وجه الزوج (طرماح) دارت برأسه أفكار هوجاء، واستمرأت في مخيلته جحافل رعناء أن يترك الديار، ويمضى في البراري ويتوجه شطر الواحات المتعرجة الملتوية التيه... غائباً حائراً مهاجراً... إذ بزوجته (طمونة) تهدئ من روعه، وتشغل أوقاته صبراً واصطباراً على قسوة العيش وقلة حيلة اليد.. الفقر والعوز غول جائر جاثم فوق الصدور.. نعم، أخذ يطوي سطح البطن، الجوع قارص أكول.. بلعومه تشوف وتلهف لارتشاف قطرة ماء.

رؤيا وحلم

بين ليلة وضحاها.. حين استحوذ النعاس على جفني طمونة وطرماح.. إذ طيف يداعب الكرى.. ويمضي في اتجاه عيني طرماح.. قم يا طرماح وشد الرحال إلى مكان بعيد.. وارجع إلى زوجك الحنون طمونة.. لا تدع الاغتراب يجتر أيامك ويناوش لياليك..تذكر أسرتك وأهل بيتك.. لا تدع الوحدة عزاءهم، ولا تترك الحسرة تئز خلدهم.. إنه الهاتف الذي يشنف السمع ويحرك الأفئدة.. امضِ يا طرماح في مسعاك.. لا تلتفت إلى الخلف. وتقدم خطوة إثر خطوة.. هناك ستلتقي أحد الأشخاص.. يبدو أنه راعٍ يسوق (الطرش).. إن رأيته تقدم نحوه، وامشِ بمحاذاته.. ولا تلتفت إليه البتة.

وفي الصباح الباكر خرج طرماح مسرعاً مودعاً زوجته طمونة، يحمل قوتاً بسيطاً.. عيش خبز وكوب ماء.. قطع المسافات وطوى الطرقات.. حتى تراءى أمام عينيه (طرش) يسوقه الراعي.. وما إن مشى بمحاذاته، غير ناظر إليه.. إذ يسرع الراعي الخطى.. وفي محاذاته طرماح. وسقطت من جيب الراعي نقود ذهبية.. ناداه طرماح بصوت عال.. أيها الراعي: نقودك .. ذهباتك.. لم يلتفت الراعي البتة، واستمر طرماح ينادي يصرخ ويصرخ.. فجأة إذ يلتفت الراعي ويرى الرجل (طرماح) ثم يقف فجأة.. تأخذه الدهشة، ويحتار في أمره.. وينشده بصره.. ماهذا سبحان الله.. من أنت.. سبحان الله.. تشبه الرجل الذي أقوم على رعي أغنامه.. واسمه (طرماح).. يا صاحِ قل بربك ما اسمك؟



تشابه الوجوه

اسمي (طرماح)،  لكن قل ما اسم الرجل التي تعمل لديه.. واعلم أيها الراعي.. أحياناً تتشابه الأسماء والوجوه.. ما رأيك؟ وماذا تقول عن شخصي؟ أنا طرماح العبد الفقير.. المسكين الذي يبحث عن لقمة العيش في كد وتعب.. رجاء خذ ذهباتك.. وكيف لي أن آخذ مالاً ليس من حقي.. لكن أين يقطن راعي الحلال... لا شك أنه يعيش في تلك الربوة.. أليس كذلك؟.. عد إلى كوخك، فالتعب قد بدا على ثيابك واستحوذ على رأسك.. وها هي الذهبات أعيدها .

قال الراعي: ما هذا؟ أصبحت في حيرة من أمري.. ذهبات ثم شبيه.. بالرسم والجسم... شيء عجيب وأمر غريب.. بالله عليك يا طرماح هلم معي إلى دار (طرماح الشبيه) لعل عمى الألوان قد غلب على ناصيتي..

الغنى بعد الفقر

برهة من الزمن ودق الراعي باب طرماح.. لا أحد يجيب.. وقف الرجلان الراعي وطرماح الشبيه.. فارعين غائرة عيونهما منشدهين.. الطرقات على الأبواب تضطرب.. ومع مد وجزر غادر الرجل طرماح عائداً إلى حيث كان شارداً لا يلتفت إلى أحد، والراعي وراءه كظله.. حتى أسقط الذهبات في جيبه من دون أن يدري .. مضت أيام قليلة مع لياليها، وعاد طرماح إلى زوجته طمونة.. مهموماً يحمل هموم الرزق في أوصاله

وما إن فتح الباب وولج داره حتى استقبلته زوجته طمونة في تهليل وترحيب.. وها هي الزوجة تأخذ المعطف في تؤدة وتهليل.. وهزته بكلتا يديها فتساقطت الذهبات من الجيب.. وأخذت الزوجة تنظر إلى السماء شاكرة الله سبحانه وتعالى أن الرزق يأتي من الله سبحانه وتعالى من غير حساب.. ومن يصبر على الفقر والفاقة والعوز يعوضه الله خيراً بعد صبر وظفر. ومع كل ليل.. ما إن يحل الظلام وتحلو الأحلام، حتى يتراءى لطرماح أنه يملك قطيعاً من (الطرش).. يسوقه ذاك الراعي الأمين.. وطمونة تهز كتف طرماح حيث تتساقط في حجرها الذهبات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق