عبدالرزاق بشير الهويدي *
الرقة... أم المدن، لا تنكسر مهما أثقلها الوجع، ولا يخبو فيها الأمل.
كانت الرقة، ومازالت، أماً لا تُشبه سواها، حضنت الغريب كما لو كان ابنها، ومسحت رأس اليتيم ونسيت جرحها.
أعطت الثكلى صدرها، واحتضنت القادمين من طرق أنهكها الريح. كانت تصغي لأنين الجميع، وتشاطرهم وجعهم، وحين صرخت، لم يقترب أحد… كأن صوتها لا يعني العالم.
حدائقها صارت مقابر، والمقابر صارت ركاماً بلا أسماء، بلا هوية، لا يُعرف من يرقد تحت التراب.. مدارسها، التي كانت تصنع المستقبل، تحوّلت إلى سجون، وسجونها إلى غرف مكتظة بالوجوه التي حاولت الصمود ولم يعد أحد يلتفت إليها.. شوارعها التي ضجّت بالحياة، صارت ممراً للأرواح الهائمة بدل الأقدام.. وبيوتها، التي كانت ملاذاً للفرح، تحولت إلى جدرانٍ بلا أبواب، ونوافذ تُغلق من التعب، كأنها لم تعد تتحمل رؤية المزيد من الألم، وكأن كل سقف يئن من ثقل ما شهده.
وسط هذا الخراب، نساؤها حملن النهار على أكتافهن، جمعن الأطفال من الرماد، غسلن وجوههم بدموع صامتة، وأشعلن لهم قناديل صغيرة في الظلام كي لا يخافوا من الليل، وكي لا يضيع الأمل بينهم. ثبتن صوت المدينة حين تبعثر تحت غبار الأيام، وأقسمن أن للألم نهاية، وأن يظلّ الفرح ممكناً ولو للحظة قصيرة، على الرغم من الرحيل والهجران، وعلى الرغم من أن كل وداع يترك أثراً في قلبها، لكنه لم يستطع أن يطفئ روحها.
أطفالها كبروا قبل الوقت، بألعاب مكسورة وقلوب مثقلة بأسئلة لا جواب لها: لماذا يغادر كل من نحب؟ لماذا يكبر الحنين معنا أكثر من الطفولة؟ وبرغم كل ذلك، كانوا يبتسمون، وكل ابتسامة منهم كانت كافية لتعيد المدينة إلى الحياة ساعة أخرى، وتجعلها تقف بصبر جديد أمام رحيل أبنائها وهجرتهم الطويلة، إذ كان كل وداع يترك أثراً لا يمحى، لكنه لم يستطع أن يقهر روحها، ولم يكن قادراً على أخذ الأمل معها.
الفرات وحده سمعها، حمل دمعتها كقسمٍ لا ينكسر، والسد يحرسها من كل ظل يمر على ضفتها دون أن يترك أثراً. وإن فاض يوماً، فلن يكون غضبه سوى موجة تمحو ما أثقل المدينة، وتعيد لها نبضها، وتحمل عنها كل ما حملته السنين من ألم، وكل ما حاول أن يُطفئ الحياة في قلبها.. والبليخ ظلّ نسيمها، يعيد إليها دفء الذكريات، ويغسل عنها كل أثر للغربة.
وهكذا تبقى الرقة، مدينة لا يموت فيها الشجن، ولا ينهزم فيها الرجاء. تعيش بين الألم والحنين، تنهض دائماً كما لو أن قلباً غيبياً يرفعها من الرماد، ويذكرها أن الصبر إرث، وأن من يظل واقفاً برغم كل شيء، هو من يكتب المستقبل من جديد. هي الرقة، أمّ المدن، حاملة الوجع، محتضنة كل من ضل الطريق، محافظة على نبض الحياة بين يديها، محافظة على نفسها مهما ثقلت عليها الأيام.
ومازال الفرات والبليخ، صامتين يقفان على ضفافها، حُماة لا يظهرون، يغسلون عنها كل أثر للغربة، ويجعلون لكل دمعة نهراً، ولكل وجع قلباً يتنفس، ولكل ضياع طريقاً إلى العودة. في صمت الليل، وسط همس الماء، تعرف الرقة أنها لم تعد وحدها، وأن غضب الفرات إن فاض سيكون الطوفان الذي يحميها، وأن البليخ سيظل النسيم الذي يعيد إليها دفء الذكريات، وأن روحها، مهما ثقلت عليها السنين، ستظل تقاوم، وتنهض من رمادها، وتحمل الأمل لكل من يحتاجه.
الرقة لا تُهزم.. حيّة في قلوب أبنائها، وصمودها وعدٌ لا ينكسر.
وستبقى الرقة حية في قلب كل من أحبها، ووعودها للمستقبل محفورة في مياهها وأحلامها. وما دام الفرات والبليخ يحيطان بها، لن تهزمها الليالي مهما طال الظلام. ستظل شامخة، تتنفس الحياة من رمادها وتزرع الأمل في كل قلب حزين.
* كاتب سوري


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.