مازن العليوي، بالمشعاب: أول الغيث - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الخميس، 23 أبريل 2020

مازن العليوي، بالمشعاب: أول الغيث

بالمشعاب زاوية يكتبها مازن العليوي
بالمشعاب: زاوية يكتبها مازن العليوي

أصر الزملاء في "الجسر" عليّ أن أكتب زاوية يومية أو شبه يومية، ولأني بعدت زمناً عن الكتابة اقترحت عليهم أن أكتب بشكل متقطع عندما يكون المزاج رائقاً، لكنهم رفضوا ذلك قائلين إن جائحة كورونا التي أجلستنا في البيوت أعطتنا متسعاً من الوقت لابتكار الأفكار والكتابة، وإني لن أعجز عن إيجاد الأفكار.

المشعاب وسطوة الأحبة

حاولت التملص والتذرع بأي شكل، لكنهم شهروا عليّ "المشعاب"، وجعلوني أمام أحد خيارين، فإما أن أكتب "بالمشعاب" أو أكتب "بالمشعاب"، فاخترت أهون الأمرين، وقبلت أن أكتب "بالمشعاب" خاضعاً لسطوة الأحبة. لكني قلت لهم إن لديّ بعض الاشتراطات، وأولها أن أسمّي الزاوية "بالمشعاب" لأني واجهته كي أكتب. وثانيها أن الكثير من الحالات في مجتمعاتنا تحتاج مشعاباً، فمنها ما يحتاجه كي يتحرك، ومنها ما يحتاجه من أجل تقويم سلوكيات أصحابه. وثالثها أن تكون الزاوية مفتوحة لمن يحب الكتابة فيها انطلاقاً من عنوانها من الزملاء الكتاب الأعزاء.
قبل الزملاء بالاشتراطات، وها أنذا أكتب "أول الغيث"، وأول الغيث مشعاب، والمشعاب هو العصا المعكوفة من أحد أطرافها وسميت كذلك لأن العكفة تبدو كالشعبة في أغصان الشجر، وله تسميات عديدة في المجتمعات العربية تبعاً لهيئته، منها الباكورة والعكاز والدبوس والنبّوت والعصا والعود والمطرق والعجرا والمِسْيَر والقطلة وغيرها...



جزء من طقوس الهيبة

والمشعاب في اللغة اسم آلة على وزن مفعال. ويجمع على مشاعيب وهي من صيغ منتهى الجموع: مفاعيل.
ولعلّ المشعاب رافق البشر منذ بدايات تكوينهم، فهو أقدم آلة استخدمها الإنسان للدفاع عن نفسه وأهله ومسكنه ضد كل ما يواجهه من بشر وحيوانات، وهو أيضاً أقدم آلة استخدمت للتأديب والتهديد والوعيد ورعي الماشية، وجرى توظيفه الهجوم على الآخرين والتعبير عن البهجة في الاحتفاليات، ومازلنا نراه حاضراً في العروض الشعبية التي تقدم ألوان الموروثات المحلية. وقبل كل ذلك، استخدم المشعاب كزينة لكبار القوم، فحمله قديماً الملوك والنبلاء كأداة ضمن طقوس الهيبة، ومنه ظهر الصولجان في حالة متطورة. وفي الرسومات والنقوش القديمة يظهر ملوك الفراعنة يمسكون بالمشاعيب وهو جالسون على العروش، حتى لتشعر أن المشعاب من أدوات الحكم ورموزه.


البقاء اللفظي يؤكد المكانة

ولو تحدثنا عن تاريخ المشعاب، لقلنا إنه على الرغم من أن البعض أساء استخدامه بتصرفات رعناء معتقدين أنها تعبر عن الشجاعة، إلا أن ذلك لا يمنع وجود حالات إيجابية تطغى على السلبية، وحضور المشعاب في الشعر الشعبي خاصة النبطي منه يؤكد مكانته السابقة في المجتمعات، وبقاء مصطلح "بالمشعاب" لفظاً بالرغم من انحساره المادي يثبت أن الذاكرة الجمعية لا تنسى أموراً لازمتها أزمنة طويلة، لذلك نجد أن البعض في البادية أطلقوا اسم "مشعاب" على أبنائهم.
أخيراً مما قرأت أن الدكتور عمر كحالة أورد في معجم قبائل العرب أن (المشعاب: فرع من بشاكم إحدى قبائل محافظة حلب) ج 3 - الصفحة 1100، ولا أعرف مدى دقة المعلومة، ومن لديه علم فإنّا بالانتظار، ريثما نعد "مشعاب" المقال المقبل.. وأما الزملاء الكتّاب من القادرين على رفد زاوية "بالمشعاب" بجنونياتهم، فمرحباً ألوف.. ومن يتردد منهم، فعليه أن يتذكر "المشعاب" الذي لوّحوا لي به فاستسلمت.


هناك تعليق واحد: