عصام حقي: اليتيمتان - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الخميس، 14 مايو 2020

عصام حقي: اليتيمتان

عصام حقي اليتيمتان
عصام حقي: اليتيمتان

عصام حقي

مالك بن الريب التميميّ شاعر عربيّ عاش في عهد الخليفة الأمويّ معاوية بن أبي سفيان. وهو صاحب القصيدة الشهيرة المعروفة بيتيمة ابن الريب، وقد عرف بشجاعته وقوته وشدة بأسه، والتزامه الدائم بالحيطة والحذر حتى قيل إن سيفه كان يلازمه ليل نهار. وقيل: إنه كان يستغلّ قوّته وشجاعته وجرأته في قطع الطرق على الناس، وإنه كان رأس عصابة تهاجم المسافرين وتستولي على أموالهم.
* * *


وحدث أن التقاه سعيد بن عثمان بن عفان الخليفة الثالث رضي الله عنه، وكان في طريقه لإخماد فتنة شبّت نارها في خراسان؛ فعرض عليه أن يتخلّى عن سلوكه، ويمضي معه إلى الجهاد في سبيل الله.
وافق ابن الريب سعيداً، ومضى في جيشه مجاهداً..
وقيل: إنه أبدى شجاعة وبأساً شديدين في ساحات الجهاد، وإنه تخلّى عن سيرته الأولى، وتحلّى بعدُ بالخلق القويم، وقد ورد هذا في ثنايا قصيدته اليتيمة حيث قوله فيها عن نفسه:
ألم تــرني بعـت الضــلالة بالهـــدى
                                     وأصبحت في جيش ابن عفانَ غازيا

* * *

وبعد انتهاء المهمة في خراسان، وفي طريق العودة إلى المدينة المنورة وقع ابن الريب مريضاً، بسبب أفعى لدغته في أثناء قيلولته، فسرى سمها القاتل في جسده وراح يشعر معه بدنو أجله.
وفي خضم معاناته سكرات الموت أخذ يرثي نفسه بهذه القصيدة التي استهلّها، وهو يتمنى أن يعود ولو ليلة واحدة إلى موطنه (وادي الغضى) ليكحل عينيه به:
ألا ليــت شــعري هـل أبيــتن ليـــــــلة
                                    بوادي الغضى أزجي القلاص النواجيا

فليـت الغضـا لم يقطع الركب عرضه
                                    وليـت الغضـى ماشـى الركاب ليــاليــا

* * *



لقد أدرك في شبه يقين اقترابه من الموت، واقتراب الموت منه، فطلب إلى صاحبيه أن يتركاه على هذه الرابية، ويرحلا، لأنّه يرى أنّ إقامته أبدية فيها:
فيا صاحبيْ رحلي دنا الموت فانزلا
                                     بـرابيــةٍ... إنّي مقيـــــم ليـــاليـــــــا

* * *

ونفذ الرجلان طلبه، وتركاه. فأخذ يتلفّت حوله وحيداً، متسائلاً عمن سيبكي عليه حين يلفظ أنفاسه الأخيرة هنا، فلم يجد أحداً سوى سيفه ورمحه اللذين رافقاه العمر كلّه، فقال:
تـذكرت مـن يبكي عــليّ فلم أجـــد
                                    سوى السيف والرمح الردينيّ باكيا
ورأى حصانه الأصيل، وتخيّل كيف سيمضي دونه وحيداً إلى الماء غداً، فغداً سيجر إلى الماء عنانه، عنان الخيبة والخذلان، وقد خطف الموت فارسه الساقي الأمين:
وأشـــقرَ محبــــوكٍ يجـــر عنــانه
                                     إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا

* * *

هكذا كُتب على الشاعر أن يغادر الحياة في هذه الأرض الجرداء الموحشة:
صريع على أيدي الرجال بقفرة
                                       يسوّون لحدي حيث حمّ قضائيا
كتب عليه أن يسوّيَ قبره هؤلاء الرجال الذين راحوا يطالبونه بألّا يبتعد عنهم كثيراً، وكأنّهم لا يدركون أن مكانه هذا هو البعد بكل ما تعنيه كلمة البعد من معنى:
يقولون: لا تبعد وهم يدفنونني
                                       وأين مــكان البعـــد إلّا مكانيا؟!

* * *

أما الصورة الأخيرة التي تداعت إلى مخيلته فقد كانت لابنته التي تعلقت به يوم اعتزم الرحيل، وهي تبكي وتنتحب وتتوسل إليه ألّا يرحل، فالمهمة التي يخرج لأجلها طويلة وعسيرة، وتخشى عليه مخاطرها. كانت تودعه، وتناشده البقاء، وكأنها كانت تشعر بأنه اللقاء الأخير لهما:
تقول ابنتي لما رأت طول رحلتي
                                     ســفارك هــذا تــاركي لا أبا ليا...!

* * *

وهكذا مات مالك بن الريب ... مات وقد خلف وراءه (اليتيمتين):
- ابنته
- وقصيدته ....!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق