بسام الحافظ، قصة: بطل الشقلبة - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الأحد، 10 مايو 2020

بسام الحافظ، قصة: بطل الشقلبة

بسام الحافظ، قصة قصيرة: بطل الشقلبة
بسام الحافظ، قصة قصيرة: بطل الشقلبة

قصة قصيرة: بسام الحافظ

قحصت واضطربت أحوالي، وفرت زوجتي" حمرونة" من جانبي مثل قطاة أطلق عليها صياد طلقة ولم يصبها، الخبط على بابنا لم يتوقف. يزداد قوة، تتكلس الكلمات على عتبة شفتي، وأحسست إن لساني عقد .. تكسرت الرؤية أمامي، وباتت الأشياء ضبابية، أدركت أني فقدت رجولتي أمام "حمرونة"، لم أفعل ما يفعله أي رجل في مثل هذه الحالة .. نسيت النخوة والمروءة، وتيبست في مكاني:
- أنا محلول وصار حقي نص فرنك منقوب.
وفجأة دفع الباب ورشقت:
- يلعن ماركتك، ولك نيام يا ابن الذين آمنوا؟!
جاءني عنون وبقايا الطعام العالق بين أسنانه المتآكلة ملأت وجهي ورائحة الثوم تفوح من فمه، جرني على انفراد عاضاً على لسانه وهمس لي:
- الشيخ أبا عبطة دعاني وإياك إلى وليمة بمناسبة نجاح ولده (كبسولة) الذي حصل على الشهادة الإعدادية (شحط وجر وتف) والذبائح على أبو موزة. والمدعوون كلهم شخصيات بارزة، وقد أكد وحلف بالطلاق، إن لم نحضر سوف يشدني من شاربي ويكلل وجهي بالبصاق.
بعد أن عاد لوني إليّ .. وقفت" حمرونة" قبالته متوثبة، وصببنا جام غضبنا عليه، ناولته (صفط التتن) معاتباً إياه، ومحذراً إن يكرر ذلك ثانية، إذ إن عنون (عجي) فقير وعاش في بيتنا، وصار واحد منا. وراح يحدثني بفرح غامر.
والقرآن الكريم، استوقفني في السوق الشرقي وقال لي: تُحضر معك كشمة يوم الجمعة إلى المضافة لحضور وليمة الغداء. ويا ويلكما إن لم تحضرا.
- ونذهب بهذه السحنة! والأحذية المرقعة!، ورائحتك الزنخة تقطع الأنف، مر علينا يوم الخميس ودع أختك حمرونة تغسل لك ثوبك النتن.
- الكل يعلم أننا على باب الله.
- قم بزيارة للمعلم (القندرجي مكرديج) ومسمار مسمارين والسلام.
- وهكذا نكون على قد المقام. 






ليس لكم بطول الحكاية، حملنا بعضنا وتوجهنا حيث المضافة، وبالكاد داست أقدامنا عتبة المضافة، حتى صرخ بنا الشيخ "أبوعبطة" منادياً:
- حياكما الله.. هنا عنون أنت وكشمة بجانبي، إلى الصدر؛ لكم الصدر ولنا العتبة.. هات لنا القهوة حنوش.
قعدت متوسداً والشيخ "أبوعبطة" الوسائد العالية، وعنون بجانبي وعلى صراخ الشيخ ثانية، قحصت، انقطع قلبي رعباً ورحت ارتجف:
- القهوة يا ولد.. خذ راحتك شيخ دبوس.. خذ عليك عنون أنت وكشمة.
وعلى غفلة تسلل من فم عنون همس مرتجف ومتقطع:
- ألم أقل لك إن الشيخ أبو عبطة كريم، ماذا تريد أفضل من هذا الترحيب؟... تشبث بمساحة أرضك.. إننا هنا بين المسؤولين، وستأتينا مناسف اللحم المنتشل لتوه من القدور، وهل نسيت طعم وشكل خبز الصاج؟ وافطن.. حذارِ أن نُدفع إلى عتبة الأحذية.. حذارِ، ثم حذارِ.
عيناي تلوبان، إذ إن الحضور مديرو دوائر وشيوخ عشائر، وراحت روحي تضج داخلي وترفرف فرحاً، وخشيت منها أن تزغرد. وهمست بصوت مرتجف يرافقه التعرق الذي هاجمني دفعة واحدة..
- بصلاة محمد أنا غير مصدق!.
وحين بدأ البساط يسخن تحتي، فز الشيخ واقفاً وصرخ ملء شدقيه:
- هلا برجال القانون وحفظ الأمن، حياكم الله، هنا إلى الصدر أبوخولة.. لكم الصدر ولنا العتبة.
تدافع القادمون الذين هم من سلك الشرطة، ثم التفت الشيخ صوب عنون
- خذ عليك عنون أنت وكشمة، الكل والجميع عندي ... القهوة يا ولد.
بقينا على هذه الحال كلما دخل أحد المسؤولين، حتى استقر بنا الحال عند العتبة، فهاجمني الخوف، وأيقنت أنني سأحصل على الكرت الأحمر وأخرج، وأكون قد فقدت مكاني، وهزمت شر هزيمة، وطفقت أراجع حساباتي وبالطريقة التي تمنع خروجي، والمصيبة، سيبقى عنون لينفرد باللحم والمرق، فقررت أن أفعلها وأنا أخو أختي.
نظرت خلسة، فرأيت عنون فرحاً، وقد باغتني القلق حين شاهدت الأحذية قد ملأت العتبة، وإن دخل ضيف جديد .. سيزحف الجالسون صوبنا، وحتماً سيدفعون بي صوب العتبة وأقعد فوق (الصرامي).. وهمست لعنون: الشيخ يدفع بنا جهة الأحذية.. حاول أن تتمسك بمكانك وإلا طارت القعدة واللحمة والشحمة، وإن حضر قائد الشرطة نصبح فراطة في سوق الرجال. وأنا في حيرتي وضيق خلقي وندامتي لمت نفسي ساعة قعودي بجانب الشيخ.. آه لو قعدت بجانب حنوش (عزب المضافة) أفضل لي، وإذ بالشيخ أبوعبطة يصرخ بالمقلوب:
- هلا بسيادة العميد .. هلت علينا البركة، الصدر لك والعتبة لنا. خذ عليك عنون أنت وكشمة.
وقبل أن يصل مكان الصدارة قرب قعود الشيخ أبو عبطة، عاجلت عنون بدفعة من وركي اليساري، فأخذ يقلب عدة قلبات حتى منتصف الحوش؛ فأخذت النسوة يزغردن ظناً منهن؛ أن عنون قدم حركات الشقلبة فرحاً بنجاح ولدهم كبسولة، وتلتهب الدبكة بحركات خبط الأرض وإطلاق الرصاص...


هناك تعليق واحد: