صبحي دسوقي: سيزيف - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الخميس، 7 مايو 2020

صبحي دسوقي: سيزيف

صبحي دسوقي إشراقات سيزيف
صبحي دسوقي، إشراقات: سيزيف

قصة قصيرة: صبحي دسوقي

تثاءب للمرة الرابعة، رفع اللحاف بخفة ثم مسح بعينيه المتعبتين محتويات الغرفة، استجمع قواه ونهض، تنفس زوجته الحار يدفع في داخله الرغبة للعودة والاندساس بقربها، جمع أطراف اللحاف فوق أطفاله محاذراً إيقاظهم، وانحنى بحنان وطبع قبلة دافئة على وجه طفله الصغير باسل.
حمل زوادته المعتادة وفتح باب الغرفة بهدوء، أفاقت زوجته على حركته فابتسمت، ودون أن يصدر عنه شيئاً خرج مبتسماً.
الصباح لا يزال يحبو بطيئاً عندما انحدر من جبل قاسيون، النسمات الهادئة ترسل في داخله حيوية تدفعه لزيادة سرعته في الانحدار، الشوارع التي يجتازها لا تزال دون إضاءة، نقَّل الزوادة بين يديه وهو يقف أمام الفرن، بآلية حمل رغيف خبز بيده، طواه جيداً ودسه في كيس نايلون يحمله في جيبه، وعندما وصل إلى حي الشيخ محيي الدين أحس بحركة نشيطة في الشارع، ثم سرعان ما انحدرت جموع العمال من شوارع ضيقة والتقت في الشارع العريض.
في طريق العودة شعر بتعب مفاجئ، ارتجف مذعوراً، وحاول أن يزيل جدول الخوف الذي انحدر إلى داخله، شدًّ قامته وباعد بين قدميه، تمنى أن يرى طفله باسل.
- باسل أيها الطفل الرائع، في الشوارع العريضة سرنا معاً، يدك الصغيرة تغفو في يدي وضحكاتك تهرع للالتصاق بواجهات المحلات الأنيقة، تسحقني نظرات الدهشة التي ترتسم على وجهك عندما تحدق في الألعاب المتكومة في المحلات، أجذبك برفق فتزداد ابتسامتك اتساعاً، نظراتك الذكية تتقافز حولك، ترفض أن تثبتها على وجهي.
- هل تخشى يا صغيري أن أضعف أمامك...؟
تجذبني يدك الصغيرة وتتسع عيناك دهشة وأنت تحدق في محل بيع الفروج، تنظر إلى الفروج وهو يخرج من مكنة شوائه تتكور شفتاك، يتحرك لسانك في فمك ثم تهز يدي:
- ما هذا يا بابا ...؟
انظر بعيداً، أهرب من سؤالك:
- لعبة يا بني..
تحاصرني عيناك:
- من أي مادة مصنوعة؟
- من البلاستيك.
أهمس وأشدك بعيداً، تظل قدماك ملتصقتين بالرصيف بقوة:
- هل هي للصغار أم للكبار؟
دفعة واحدة يزحف إحساس في داخلي أنني في محكمة مغلقة الجدران فيها أطفال وفتيات وأغان حزينة وعصافير تطير.. تطير..
نظراتي الهاربة ترجع إليك ويحاصرني سؤالك من جديد:
- هل هي للصغار أم للكبار...؟
- إنها للكبار يا صغيري..
- اشتر لنفسك واحدة يا والدي.
وتنهمر الدموع في داخل، أسحبك بعيداً، أود أن أجثو أمامك، أزرع وجهك الصغير في القبلات وأبكي.. أبكي.. 







استجمع قواه وهو يتابع تسلق الجبل، طريقه المعتاد آخر موقف باص الشيخ محيي الدين ثم يمضي في تسلق الجبل حتى آخر غرفة فيه.
خمسة عشر عاماً أمضاها في مسيرة حياته، لم يتذمر، فقد آمن منذ صغره أن الإنسان يولد ورزقه معه، لكن أُجرته بقيت على حالها وأولاده تتزايد أعدادهم:
- السلام عليكم ...
همس بصوت مرتعش للبقال وتابع تسلقه الطريق..
- أبو باسل!
الصوت سمَّره في مكانه وشعر برغبة إطلاق ساقيه للريح والهرب إلا أن الصوت عاد أشد حدة.
العرق بدأ يغسل جسده وهو يحاول إقناع البقال بأنه سيسدد كل الديون المتراكمة، عاود صعوده وخطواته تتثاقل، وصوت البقال يزحف كالسكاكين في داخله:
- أول الشهر وإلّا ...
حاول أن يتذكر عدد الـ (وإلا) التي سمعها في حياته ففشل.
مسح عرقه بيده المتشققة وهو يدفع باليد الأخرى باب الغرفة الخشبي، استرخى على الحصيرة، رائحة البرغل الناضج تزيل تدريجياً آثار التعب من جسده ، بحث عن بصلة فلم يجد، صرخ بابنته:
- هاتي بصلة من الجيران يا بنت.
بعد انتهائه من تناول طعامه استرخى من أثر النشوة التي أرسلها قدح الشاي في داخله واستسلم لنوم طويل.
لم يعد يقوى على متابعة العمل، اثنتا عشرة ساعة يومياً ونظرات صاحب معمل الزجاج الذي يعمل فيه في الشاغور ترغمه على الإسراع في عمله خشية الطرد الذي يهدد صاحب العمل العاملين فيه دائماً، النيران التي تضطرم في الفرن ترسل في داخله قشعريرة تزداد عندما ترتسم في مخيلته صورة إنسان ما وهو يقذف داخلها، تخيل الجسد وهو ينصهر كالزجاج ويتحول إلى سائل عديم الشكل.
أبعد الصورة عن مخيلته وعاود إخراج السائل ونفخه حتى يتحول إلى آنية زجاج كبيرة.
نقَّل عينيه على الوجوه الشاحبة، وأمعن النظر في العروق المتشنجة والتي تظهر واضحة كالنور الباهر في الظلام. شَّده صراخ المعلم من استغراقه:
- أبو باسل.. شغلك لم يعد يعجبني.. إذا بقيت على هذه الحالة فسأدلك على طريق الخروج.
غمغم أبو باسل بكلمات لم يستطع نفسه فهمها، ثم عاود العمل وبسرعة محاولاً أن ينال إعجاب صاحب المعمل:
- تفضل يا عم..
تسمرت عيناه على وجه شاب جميل طيب القسمات، تناول كأس الماء من يده وشرب بسرعة:
- هذا الشاب طيب القلب، صحيح أنه متعلم لكن الفقر يدفعه للعمل في الصيف.
- إيه والله العظيم أحاديثه حلوة.
ورفع أبو باسل نظرات الشكر إلى الشاب الذي شرع ينقل أواني الزجاج من أمامه عند استراحة الغذاء القصيرة. استند إلى كيس مليء بالتراب، أخرج زوادته وشرع يتناول طعامه، التقت عيناه بعيني الشاب:
- أقسم يا غريب إنني أحبك كولدي باسل
- ألديك أولاد كثيرون يا عم...؟
- إيه كثيرون.. كثيرون يا بني.
وبدأ يحدثه عن معاناته التي تبدأ قبل شروق الشمس ولا تنتهي حتى في الأحلام، الديون المتراكمة، الغرفة المتهدمة، ملابس الأولاد، ثم أطلق زفرة حارة:
- حياة زفت.. تصور صعود قاسيون..
انفرجت أسارير الشاب، وارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه:
- أنت تذكرني بسيزيف يا عم!
سمعا الصافرة تدعوهما للعمل، في داخله نما شعور دفعه بإلحاح للتعرف على سيزيف، عشرات الأسئلة تدافعت في داخله وفرضت عليه حصارها، وعندما لم يستطع الإجابة عليها همس:
- إذا كان سيزيف يسكن قاسيون فسأتعرف عليه ونصبح أصدقاء.
عند الانصراف من المعمل أوقف الشاب بارتباك، وطلب منه مرافقته لشرب كأس شاي في المقهى.
وافق الشاب بحرارة وبعد عدة خطوات امتدت يده وأمسكت بيد الشاب:
- حدثني عن سيزيف يا بني...؟ 







في المنزل حدثهم عن سيزيف، ولمح نظرات الدهشة ترتسم على الوجوه، وبدأ يتنقل في البيوت يحدث الجميع، وامتلك الجرأة، فوقف أمام البقال وحدثه بإسهاب عن سيزيف، عقد باسل يديه أمام صدره وشرع ينظر إلى والده بإعجاب:
- بابا سيزيف..
- ماذا ...؟
- اسم رائع.. منذ اليوم سأسميك سيزيف.
وانفلت بخفة إلى الشارع.. ابتسم الوالد وهو يسمع صراخ ولده يرتفع بين البيوت الطينية المنتشرة حول المنزل:
- بابا سيزيف ... بابا سيزيف...
استلقت زوجته إلى جواره، ولمحت ابتسامة ترتسم على وجهه، امتدت يدها وشرعت تداعب وجهه، غمغم وهو يسترخي لمداعبتها:
- عيب ... الأولاد ...
تاقت نفسه للركض في الأزقة، تابعت يد زوجته تسلق جسده، شدًّها بحرارة وبحثت شفتاه عن شفتيها بشبق حقيقي، وارتفعت في الغرفة همسات خافتة.
في الأمسيات المتتالية تخلى عن عادته في السهر في المنزل، وازداد التصاقاً بغريب ورفاقه، ولأول مرة شعر بالأشياء المحيطة به تزيل الأغطية المتدثرة بها وتظهر على حقيقتها.
حدًّق أبو باسل في وجه صاحب المعمل وهو يملي طلبات العمال، ولم ترف عيناه، ولأول مرة أحس هكذا أن الخوف غادر داخله إلى الأبد، اتجه إلى المنزل وومضت في داخله أحلام كثيرة.
- سيحاول في الأيام القادمة شراء فروج كامل، سيفرح باسل كثيراً.
وبرز أمل تشبث به أن باسل ورفاقه لن يرغموا على حمل صخرة سيزيف.
ازدادت خطواته اتساعاً، فلقد أحس برغبة تنمو في داخله وتزداد لرؤية باسل وتقبيله.

* قاص وصحفي سوري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق