العسيريات يتماهين بـ(القَط) مع رواد المدرسة التجريدية - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الأربعاء، 30 سبتمبر 2020

العسيريات يتماهين بـ(القَط) مع رواد المدرسة التجريدية

القط العسيري والقصر الألمعي


نقوش فطرية لا تقل عن إبداعات موندريان وكاندانسكي وكلي وجوجان

قراءة ودراسة: مازن العليوي
(عن المجلة العربية، العدد 529، أكتوبر 2020)

لو أجرى أي مهتم بالفن التشكيلي مقاربة بين فن النقش أو (القَطّ) المعروف في منطقة عسير جنوب المملكة العربية السعودية، وفن التجريد بمختلف مكوناته وعناصره الإبداعية لاكتشف الكثير من العوامل المشتركة،. ولعل ذلك من أسباب إدراج منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) لفن القطّ أواخر العام 2017 ضمن القائمة التمثيلية الخاصة بالتراث الثقافي.

القط العسيري على الرغم من تاريخه العريق وارتكازه على الأبعاد الجمالية كان قبل إعلان اليونسكو لا يكاد يتجاوز حدود المكان. الأمر الذي أثار لدى المهتمين كثيراً من التساؤلات التي ربما تكمن الإجابة عليها في محاور عدة تتداخل بين بعضها البعض، يكمن أهمها في المسألة الزمنية والعلاقات التشكيلية بين الطبيعة والإنسان، وصولاً إلى المدرسة التجريدية وجذورها المكانية الناشئة بالفطرة، وجماليات التكوين اللوني والهندسي والأبعاد والآفاق الذهنية، وربما أدت تلك الأمور إلى تأثر الفنانين المقيمين والزوّار بتراث المنطقة كما يتضح في عدد من الأعمال الإبداعية التي شهدتها المعارض التشكيلية في عسير. 

القَطّ.. إبداع نسائي

ليس من السهل تحديد تاريخ بدايات النقش (القَطّ) في المنطقة، غير أنه يمكن معرفة دلالاته الفنية بالمشافهة في ظل قلة المصادر المكتوبة، وما عرف من قديمه الذي لا يبتعد زمناً كثيراً، أو الموجود حالياً، يؤكد أن هذا النمط الفني الذي اشتهرت النساء (خاصة الألمعيات) بنقشه على الجدران، اعتمد على التعبير عن معطيات البيئة المألوفة للناظر وعن إنسان تلك البيئة. ولصعوبة تناول الإنسان كصورة واقعية ضمن أعمال النقش، استخدم الفنانون الفطريون أسلوب الرمز للتعبير عنه ضمن محاكاتهم للطبيعة، وتأتي فاطمة أبو قحاص (1920-2010) كواحدة من أشهر الفنانين في هذا المجال.
من خلال الرسومات التعبيرية نجد أربعة أنواع من النقش وهي طبقاً للمفردات المحلية المستخدمة:
1 ـ الختام: وسمكها في الجدار بين 30 و40 سم تحفّها الحظية دائماً وتعلوها البناة والأمشاط غالباً، وتزينها الركون المثلثة الشكل في أركان البيت، ويحتاج الجدار الطويل إلى ابتكار فني يتوسط الجدار على شكل دائري أو مربع، والختام تسمية لأشكال مربعة كأنها اشتقاق من ختمة وهي تسمية مصحف في بلدة رجال ألمع، وتنقش مربعات الختام بأشكال ودلالات مختلفة تغلب عليها الأرياش، و(البلسنة) وهي معينات تحيطها أو تتوسطها النقط (التنقيط) الذي لا يخلو النقش منه، والخطوط الأفقية (المثالث والمخامس) ثلاثة خطوط أو خمسة متوازية، ألوانها مختلفة يعلوها النقش، وقد يكتفى بها في بعض المنازل، وهي على الأغلب في سحبات الدرج.
2 ـ الحِظية: نقش إلى طول الجدار سماكته أقل بكثير من الختام ويستخدم في المجالس الداخلية (مجالس النساء).
3 ـ البَتَرة: وهي الجامعة لكل أنواع النقش والمنقوشة بعناية فائقة، لذلك تظهر في واجهة المجالس.
4 ـ التقطيع العمري: خطوط رأسية متوازية ومتقاربة تمثل قاعدة ينطلق منها خيال الفنانة إلى الختام أو الحظية. ويمكن اجتماع كل هذه الأنواع في جدار أو في بترة.


المرأة في عسير رائدة فن القط

مقاربة تشكيلية

تتشابه التكوينات الجمالية لخطوط فن (القط) التي تبدعها النساء إلى حدّ كبير مع التكوينات الجمالية التي ترتكز عليها المدرسة التجريدية.
وبالعودة إلى كتاب الفن التشكيلي المعاصر للدكتور محمود أمهز، وإلى بعض أعداد مجلة الحياة التشكيلية الصادرة عن وزارة الثقافة بدمشق، نجد عدداً من المقاربات والأفكار التي تنطلق من عصر النهضة الأوروبي الذي ارتقى به الفن التشكيلي ليأخذ خصوصية ميزته عن غيره من الشؤون الإبداعية ليصبح خاصاً بالقصور والأماكن الدينية، ثم راح يتطور أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين.
ومع تتابع ظهور المدارس الفنية نشأت بعض المعايير الفكرية الساعية إلى التخلص من القواعد التي رسخت منذ أواخر القرن الخامس عشر الميلادي.
وإذا كان الفن الحديث قد اتجه إلى العالمية مع بداية ظهور الانطباعية، فإن التجريدية برأي كثير من النقاد تعدُّ قمة الهرم فيه، وتأتي التجريدية واحدة من أهم المدارس التشكيلية التي تميز القرن العشرين، وهي لا تعدّ ناتجة عن فرد أو جماعة محددة، بل هي مجموعة من الظروف المشتركة والتطورات الاجتماعية البيئية التي تكونت نتيجة تبدل الرؤية الفنية باتجاه أشكال لا صورية تبتعد عن الموضوع.
والتجريد عموماً فيه رفض للصورة ومحاكاة للمنظور، ومن أسباب الرفض تحرر الفنان من مشكلة ضرورة تمثيل الأشياء كما هي، أو نقلها بحيث يمكن للمشاهد التعرف عليها. والتجريد كما يقول (مايكل دوفرين): "لا يقف بعيداً عن الصورة المحسوسة فقط، بل 
يحاول أن يستخرج من المحسوس شيئاً منه هو بمثابة الحقيقة، المبدأ أو الفكرة".






بين الزخرفي والتصويري

في موسوعة Universalis 1970، يقابل مايكل دوفرين بين "الزخرفي" و"التصويري"، فيعدّ أنّ الأول "يبقى تابعاً لما يزخرفه"، وأنّه يعطي قيمة لشيء آخر خارجه (الحامل)، فيما يرى دوفرين أن الثاني يتميّز بمعناه ومضمونه، واستقلاله عن الحامل الذي ينتمي إليه. أي إن التصويري "يكفي ذاته بذاته، ويحمل في ذاته شيئاً له معنى ما". ولو حدث انتقال من مجال إلى آخر فهنا ربما "يرقى الزخرفي - إذا ما مثل موضوعاً له معنى - إلى التصويري"، لكونه يقع في مرتبة أعلى منه، بينما "ينحدر التصويري - إذا ما تحوّل نحو التجريد وفقد موضوعه -باتّجاه الزخرفي"، وذلك لكونه في مرتبة أدنى منه. وبالتالي فإنّ العمل الزخرفي، مهما بلغ من الدقّة، لا يرقى إلى مستوى العمل التصويري إلاّ إذا تخطّى كونه زخرفياً.
هذا يعني أن الفكرة والتكوين والرؤية الفنية الخاصة قد حلت مكان التصوير المباشر، وبعد زمن من محاكاة الطبيعة وتصوير المرئيات، أصبح الفنان يتعامل مع الشعور والذهن، وصار المشاهد متحاوراً مع العمل الفني قبل أن يكون متذوقاً له أو حكماً عليه.
بالمقاربة وتأمل التكوين العام لـ(القط العسيري) وربط هذا التكوين بالطبيعة المحيطة، نجد أن (القطة) تتشكل من خطوط أفقية طويلة متوازية تصاحبها خطوط رأسية عمودية بمسافات وأبعاد متقاربة، وعن التراكبات اللونية والخطوط تنشأ الإيحاءات. وبمقارنة بسيطة مع البيئة نرى الحالة الأفقية موجودة في المدرجات الزراعية المتتابعة، بينما تكوّن الجبال الشكل الرأسي بصرياً عند إنسان المنطقة، وبالتالي، عندما أخذت (القَطّة) تكوينها بين الجبال، حيث يرى الشخص المدرجات الزراعية، فإن هذا الشخص نقلها من حالة التصوير البصري المباشر إلى حالة التجريد، مستخدماً البساطة الفكرية في اللون.
هذه الرؤية تعطي بعداً ذهنياً يقود إلى التفكير أكثر في سر التكوين المثلثي المتكرر، الذي ربما نتج عن رؤية الجبال عن بعد على شكل مثلثات من المنظور التجريدي، وللسعي إلى التوازن البصري تساوت تلك المثلثات في النقش العسيري. كما يلحظ المتأمل بعض الامتدادات المثلثية الخارجة عن الأضلاع الموجودة في المثلث الأصلي، وبشكل أكثر طولاً في الساقين منه في القاعدة للدلالة على الأشجار.

تعبيرات فكرية.. ومحاكاة

نجد رؤية أخرى تنطلق من مثقفي المكان حول بعض التعبيرات الفكرية في النقوش، فهم يرون أن الشبكة ترمز إلى الحبّ، وتكوينات الخلايا النحلية دلالة الكفاح والتعب في الحياة، أما الرسومات التي تشابه سعف النخل فهي دلالة الزراعة، وللثراء رمزه حين نرى تكسراً في رؤوس المثلثات ليظهر علوها.
إذن، نحن أمام حالة تأملية ابتعدت عن التصوير وخرجت عن المحاكاة والموضوع، ولكنها استقت من الطبيعة والبيئة المحيطة، وأخذت شكلها النهائي بأبعاد لونية وذهنية. هذه الحالة من النقش أو (الرقش)، كانت هامشية في الغرب إلى أن جاءت العصور الحديثة فأصبحت منطلقاً للفن ومعياراً للمستوى الفني، ولم تعد حكراً على القصور بل انطلقت إلى عامة الناس. لكننا نجدها راسخة بين الناس منذ القديم في عسير، ولا يكاد يخلو بيت عسيري وألمعي قديم من جمالياتها.
وبغض النظر عن الأزمنة، يمكن القول إنه في فترة من الفترات ازداد الاهتمام عالمياً بالبحث عن أساليب تعبيرية لإيجاد أبعاد فنية جديدة، ما أدى إلى نشوء اتجاهات فنية ترتكز على خطوط حركية متشابكة ومتفرعة تهدف أولاً إلى التزيين والزخرفة. وربما اتجه إنسان منطقة عسير إلى ذلك قبل أن يزدهر هذا الأسلوب في مدينة ميونيخ في بدايات القرن العشرين بالاعتماد على تحريف الأشكال النباتية، لأن هذه الأشكال كانت ومازالت من أهم عناصر الرقش العربي الذي ناغم الألوان قبل أن يطرح (جوجان) فكرة البحث عن تناغم الألوان التي تقابل وتماثل الحالة النفسية البشرية.

التعبيرية في القط العسيري

وقد يكون (ولهيلم فورنغر) أول من حاول في كتابه "تجريد وانعتاق" الصادر مطلع القرن العشرين أن يطبق بشكل منهجي مفهوم التجريد في دراسة الفن، عادّاً أن التطور الفني يخضع لقطبية زمنية، وفي الوقت الذي يتقيد فيه الفنان بالصفات المرئية للموضوع بهدف تمثيلها ونقلها للمشاهد، فإنه في عصور أخرى يتجنب الموضوع أو يدفع به إلى حدود التجريد فيلجأ إلى الاختصارات. ويقدم عليها معانيه والمضامين التي يمكن للعقل أن يدركها. وهذه الأمور التي يطرحها الكتاب لا تبتعد كثيراً عن النقش العسيري، بل تنطبق عليه.





كاندانسكي وموندريان

وإن عُدّ (كاندانسكي) سنة 1910 أول من أنجز عملاً من دون موضوع ليظهر يومها بإحدى مسلمات التمثيل اللاصوري القائم على تجربة الفنان مع اللون والخط، متخطياً المظاهر ومتجنباً تمثيل الواقع، حيث اتبعه كثير من الفنانين خلال الفترة التي كانت فيها التكعيبية تأخذ دورها لإعادة صياغة الرؤية الفنية والتحول نحو التجريد اللاموضوعي.
ولكن تحقيق الصورة المطلقة المبنية عقلانياً لم يتم فعلياً إلا مع الفنان الهولندي (بيت موندريان) الذي وصل بالتجريد إلى المنطق بعد أن اتبع الواقعية والانطباعية والوحشية والتكعيبية التحليلية، ثم توصل إلى التجريد. وقد تكون انطلاقته الحقيقية عام 1914 عندما حرر اللون من الشيء وجعله أثراً منه ضمن أنموذج أساسي مبني بنسب هيكلية مبسطة من المساحات والقيم اللونية الفاتحة والغامقة في تعبيرية عن هواجس الفنان التأملية وعن مفهومه الخاص لما يحيط به، واستمر في بحثه إلى العام 1920 حيث وصل إلى اكتشاف الشكل المصور في أكبر تبسيط وأكبر وحدة له للتعبير عن إمكانية الفنان التأملية، فاللوحة ذات السطح الواحد تكاد تقتصر على خطوط عريضة سوداء عمودية وأفقية وضعت على أساس أبيض لتشكل هيكلية اللوحة، ثم انطلق بعدها إلى تلوين المساحات في الفراغات بالألوان الأساسية الثلاثة (الأحمر والأزرق والأصفر) وأحياناً كان يستخدم معها الرمادي. وأطلق (موندريان) على عمله آنذاك اسم "التشكيلية المحدثة".
ولو عدنا إلى الرؤى المطروحة حول تأثير البيئة والجبال والمثلثات.. والتعبيرات الفكرية في النقوش العسيرية، وما كان قد نتج من تحليل. ثم أجرينا تقاطعا مع العمل التشكيلي المحدث عند (موندريان)، دون أن نغفل النظر إلى ألوان (موندريان) ومساحاته وإلى الرقش العسيري وألوانه ومساحاته، فسوف نجد التقارب كبيراً، بل إننا سنجد الوصف ذاته للعمل التجريدي.
فإن كان (موندريان) قبل حوالي قرن من الزمن قد خرج بالتشكيلية المحدثة، فإن قصر ألمع التاريخي الذي أصبح حالياً معرضاً دائماً للتراث، يعود تاريخه إلى (400) عام تقريباً.
أما أقدم نقش أبدعته النساء مازال موجوداً في قرية (رُجال) الأثرية في (رجال ألمع) فيعود تاريخه إلى حوالي قرن ونصف القرن، وقبله اندثرت نقوش كثيرة.

التشكيلية المحدثة

إذا نظرنا إلى التشكيلية المحدثة عند (بيت موندريان) في زمنه، وتأملنا الحالة التشكيلية التراثية العسيرية قبل زمنه بكثير، لوجدنا أن الفكرة التشكيلية العسيرية تعتمد التكوينات اللونية النابعة من ذهنية تأملية فكرية، تستمد من البيئة تركيبها الفكري، ومن الخطوط والألوان تركيبها الجمالي في مساحات متباينة، وهذا الوصف ينطبق تماماً على أعمال (موندريان).
وإذ نقول هذا، فإنه من المؤكد أن (موندريان) قد توصل إلى ريادته بعد جهد ودراسة وتجريب، وحققت رؤاه الجديدة انتشاراً مذهلاً، إلا أن فنان الفطرة في عسير توارث خطوطه وتكويناته الإبداعية التي نشأت بالفطرة واستمرت كذلك لكنْ داخل منطقته.
خلال الفترة نفسها التي عاشها (موندريان) ظهرت مجموعة من المعماريين الذين اتجهوا إلى الأشكال الهندسية باستخدام الصورة المسطحة الملونة ضمن أسلوب يوحي بالمدى والحركة كما في أعمال (كاندانسكي) لتصل الأمور إلى التقسيمات الزخرفية التي نراها في واجهات المنازل وجدرانها الداخلية.
استمر (كاندانسكي) إلى بداية الثلاثينات من القرن العشرين في إدخال عناصر جديدة على شكل إشارات متراكمة عن تداخل الأشكال الهندسية والدوائر والمثلثات والمستطيلات والخطوط، باعثاً الغرب بأعماله إلى التأمل برموز توحي بعالم خيالي. ومثله في ذلك (بول كلي) وغيرهما..
بين بدايات المدرسة التجريدية وفن القط

المترائيات والمرئيات

في النقش العسيري مجموعة من المعطيات التي قادت إلى تطوره الفني. فهو عبارة عن دراسة علاقات تشكيلية تنطلق من المترائيات والمرئيات في الطبيعة والإنسان، إذ يسقط الفنان الفطري رؤاه الذهنية والجمالية على إبداعه باعتماد التعبيرية واستخدام التبسيط والتحوير والتحليل الهندسي والعضوي ضمن تكوينات لونية ترتكز على التركيب البنائي الناجم عن حركة اليد العضوية في رسم الخطوط، ما يجعل المتلقي متواصلاً مع الجماليات المتصلة والمنفصلة حسب الليونة والانسيابية الهندسية. في عالم يمتزج فيه العقل مع العاطفة. وفيه انفعال ومحاكمة عقلانية مدركة. هذا العالم نحسّ بتركيباته ولا نبصرها، إذ يتجرد من الصنعة ويحتوي المساحة في حركة عضوية تمتلك حداثة العالم وجماليات العصر، لكنها لا تتخلى عن الجذور. فهي تعطي مدخلاً ثراً للسعي وراء إيجاد تراث فني عربي أصيل يترجم أحاسيس إنسان المنطقة الذي عالج تكوينات لوحته بلغة التعبير، وأطلق الأشكال لتتداخل فيها الكتلة بالفراغ، ضمن أطر فنية تبتعد عن التشخيص وتتجه إلى التأمل وتحويل المساحة الفارغة إلى صرخة تشكيلية واعية.




أشهر الفنانات

تعدّ الراحلة فاطمة علي أبو قحاص الألمعية، إحدى أبرز اللواتي تعاملن مع فنون (القط)، وهي تعلمتها عن والدتها منذ الطفولة، ثم امتهنت الرسم ليصبح لها مصدراً للعيش. ويقول عنها أهل المنطقة إنها أيام كانت تبدع فنونها تدخل حالة تركيز ذهني مكثف تنقلها عبر تعبيرات لونية على الجدران.
كانت فاطمة تصنع ألوانها بيدها، فاللون الأسود هو مزيج من الفحم والصمغ الأسود. وللون الأحمر تركيبته الخاصة لديها وهي بالمفردات المحلية (حُسْن + مُر + رز مقلي ومسحوق). أما الأزرق والأخضر فتعمل على تركيبهما من الطلح الأبيض والزرنيخ (الأخضر أو الأزرق)، ومن شعر الماعز تصنع ريشتها التي تشبه فرشاة الرسم.
يقول الكاتب علي مغاوي في إصداره (حاضرة رُجال) إن (المزيّنة) التي تصنع النقش، تبدأ عملها من دون خطة أولية، وتضع معاوناتها الألوان النهائية على العمل. ومن النقوش التي ذكرها نقش البنات، وهو طابع فني يرمز إلى الأنثى ويرمز إليه بما يشبه الشجرة المستندة إلى قاعدة مثلثة وترها أفقي ورأسها إلى الأعلى وكأنها جبال متراصة وهذا النوع يعكس العلاقة بين الأنثى والنبات في العطاء.
وتحدث الكاتب عن المحاريب التي ترمز إلى المحراب، وهذا يدل على حضور الناحية الدينية في كل الأمور ومنها النقش، وهي تأتي على شكل أمواج البحر.
ومن أشهر (الناقشات) في قرية رُجال ممن ورد ذكرهن في الكتاب: جحاحة بنت بريدي وهي أشهر من أتقن هذا الفن إلى الآن. وفاطمة بنت أمسباع. وآمنة بنت محمد بن هادي، وشريفة بنت أحمد، وفاطمة علي أبو قحاص وهي آخر الراحلات من الرائدات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق