غالية حافظ: العالم والجائحة - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الأحد، 10 أكتوبر 2021

غالية حافظ: العالم والجائحة

العالم وكورونا


غالية حافظ *

منذ عامين.. وبشكل مفاجئ تصاعدت وتيرة الأخبار حول عمليات الإغلاق والإلغاء حول العالم، وقد اشتملت هذه العمليات الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية وكذلك الثقافية. حيث علّقت كل هذه الأنشطة فعالياتها ومبادراتها.. وتبادر إلى الإذهان أن الأمر مؤقت لا يتجاوز أياماً أو ربما أشهراً معدودة. ولكن ما حدث لم يكن بالحسبان فقد استمر هذا الوضع مدة عامين، وها نحن في العام الثالث، مع ظهور متفاوت لومضات أمل تبرق تارة مع انخفاض عدّاد الإصابات وحالات الشفاء التي أصبحت خبراً يومياً مع فنجان القهوة الصباحي، ومما لا شك فيه أن التأثير الكوني لهذه الجائحة له تداعياته من أمور سلبية أو إيجابية.

جهود جبارة

لقد أظهرت الجائحة أفضل مافي الإنسانية وأسوأ ما فيها؛ فمن جهة ظهرت مرحلة اتسمت بالشجاعة من العاملين في القطاع الصحي والمتطوعين. كذلك ظهرت مؤسسات تجارية أخلاقية تبذل جهوداً جبارة لمساعدة الأشخاص، ودول تتصدى للجائحة.. ومن جهة ثانية أدت الجائحة إلى تفاقم الفوارق في المجتمعات، وعمقت خطوط الصدع الجغرافية، ولكن تعمقت أواصر الثقة في المؤسسات العامة عندما ظهرت جاهزية اللقاح في وقت قياسي، والذي أعطى أملاً للعالم بعودة الحياة إلى طبيعتها.

حياتنا تغيرت بشكل جذري في ظل الجائحة العالمية، فكانت التأثيرات على منعطفين: سلبي وإيجابي.. أما الإيجابي فقد ساعدت التكنولوجيا على تسريع المعاملات الورقية في الجهات الحكومية، والتي كانت تستهلك وقتاً وجهداً وموظفين، وفي قطاع التعليم كذلك أتاحت هذه الميزة أن يستمر الطلاب في تلقي تعليمهم واتباع نظام الدراسة عن بعد بفضل الإنترنت، إضافة إلى انخفاض معدل التلوث وانبعاث الكربون بشكل ملحوظ. أما من الناحية السلبية فإن هذه الأزمة كانت بمثابة صرخة مدوية أوقفت عجلة الزمن، وصار الشغل الشاغل للعالم هو اتخاذ الاجراءات الطارئة لإنقاذ الأرواح وتوفير كافة مستلزمات التعقيم والعناية الشخصية.. أضف إلى ذلك إلى دورة الاقتصاد في كثير من البلدان.

خبايا وخلجات

وأيضاً كان لأثر الجائحة خبايا وخلجات على الكتاب والأدباء والشعراء الذين كان تأثرهم بشكل ملموس، عندما بات الكاتب بعيداً عن المجتمع واللقاءات الأدبية والمجتمعية، يجلس وحيداً مع أفكاره بين مدّ وجزر بين إنتاج أدبي غزير نتيجة العزلة والتفرغ، ولكن هذا النتاج بعيد عن تفاعلات الحياة الاجتماعية، ليظل مصبوغاً بويلات الحجر الصحي ومقيداً بالوحدة القسرية أو الانعزال. وكذلك توظيف أوقاتهم للقراءة والكتابة، مما أدى إلى سلخ واقعهم الطبيعي عن واقع المجتمعات ومآسيهم وآلامهم اليومية الصادرة عن الأعماق، فما الأدب إلا فهم عميق لما يجري في حياة الإنسان بشكل لحظي.. والأدب الأصيل دمج جمالي بين الشعور بالآخر والإحساس بالذات، وهذا الابتعاد يجعل الأديب بمزاج لا يسمح له بإنتاج أي عمل مميز أو متميز، فالمشاعر عبارة عن خليط من المنعطفات والتيارات والصدمات وغيرها، والاختلاط بالناس ضرورة إنسانية وحاجة من حوائج الكون واستمراريته. ومما لا شك فيه أن للجائحة التأثير الأكبر على الحركة الثقافية ككل، فتقلصت المشاعر وتأرجحت بين مد وجزر، وتحجرت العواطف نتيجة لسيطرة الخوف من الوباء مما حدا بهم إلى التفكير بطريقة مختلفة لنلتقي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أبلت بلاء حسناً، ولكن من الصعب أن تكون بديلاً للتواصل الحي.

وأخيراً وليس آخراً، أقول إننا بأمسّ الحاجة لعودة الحياة لطبيعتها، وتدوير عجلة الإنتاج على جميع الأصعدة، مع تقبل كل تغير مفيد، ولا نترك النفس لهواجسها ووحدتها وكبوتها، بل علينا أن نتشبث بالحياة بحلوها ومرها، ونتحلى بالإيمان والصبر.

* شاعرة وكاتبة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق