مازن العليوي: الرواية الحديثة فارغة ومن لا يجيد الشعر الموزون يهرب إلى "النثر" - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الأحد، 10 أبريل 2022

مازن العليوي: الرواية الحديثة فارغة ومن لا يجيد الشعر الموزون يهرب إلى "النثر"

مازن العليوي

حوار: عمار الحميدي               



* يقال إن عصر الشعر انتهى، وأصبحنا في عصر الرواية.. ما تعليقك على هذا الطرح؟

- أختلف مع الفكرة القائلة إن عصر الشعر انتهى وصرنا في عصر الرواية، فهذه المقولة التي ترددت كثيراً في السنوات الأخيرة، ربما جاءت نتيجة الكمّ الهائل من الإصدارات الروائية من جهة، ونتيجة إصدارات أخرى هزيلة يتخيّل أصحابها أنهم يكتبون شعراً، ويوهمون القارئ بذلك، لكن المحتوى ليس شعراً بأية حال. قد نقول إنه مجموع خواطر أو قطع أدبية نثرية، وشتان ما بينهم وبين الشعر..



لو طلبتَ اليوم من شخص مهتمّ بالرواية أن يعدد لك عشرة إصدارات روائية خلال العقدين الأخيرين، فهل يستطيع ذلك؟ أكاد أجزم بالقول إنه سوف يعجز. الأمر الذي يعني أن هذا السيل الجارف من الروايات الذي يصدر "بالجملة" ليس مؤثراً ومعظمه فارغ، مع الإشارة إلى وجود استثناءات فهناك أعمال روائية جيدة، لكن عددها قليل. ولو طلبتَ من الشخص ذاته أن يعطيك عشرة عناوين لروايات من القرن العشرين لأعطاك مئة عنوان وأكثر بدل عشرة. إذن، المسألة نوعية، وما كان يصدر بـ"النوع" اكتسب الديمومة، أما الذي يصدر بـ"الكمّ" كحال الرواية اليوم فهو ابن وقته.

إلى ذلك، ما كان لأي فن أدبي أن يزيح آخر ويتربع وحيداً على عرش الفنون الأدبية.. فلكلّ عمل أدبي مكانه وظروف ولادته، وعلى الرغم من ذلك، فقد أثبت التاريخ منذ العصور القديمة لغاية اليوم أن الذائقة العربية تطرب للشعر قبل أي فن أدبي آخر. ويكفي أن تشاهد هذه الأيام على مواقع التواصل تفاعل الجمهور مع بيت شعر يضعه أحدهم، لتدرك كيف تطرب الأذن العربية للشعر قبل غيره.

                    

* ما بين الشعر والفن التشكيلي، أيهما أفضل في نشر الوعي المجتمعي؟

- كلٌّ من الشعر والفن التشكيلي فنٌّ مستقلّ بذاته وإن تقاربا من الناحية الإبداعية. أما أيهما أقوى تأثيراً، فذلك يخضع لعوامل عدة؛ أهمها الظرف الزمني والمبدع ذاته وقدرته على التعبير.. فقد تُغْني لوحة عن ألف ديوان، مثل حال "الجورنيكا" لبيكاسو، وقد تُغني قصيدة عن ألف لوحة، مثل حال قصيدة (يا ظلام السجن خيّم) التي كتبها نجيب الريس في عشرينيات القرن الماضي أيام الثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي، ومازالت منقوشة في ذاكرة السوريين.

أما من جهة التأثير المجتمعي، فأحسب أن الشعر أشدّ تأثيراً في الوقت الحالي، بسبب سهولة النشر عبر مواقع التواصل، وغياب الرقابة التي كانت ذات يوم تهيمن على الساحة، فالإصدارات كانت تخضع للرقيب، والأمسيات تخضع للرقيب، والوصول إلى المتلقي لم يكن سهلاً، فإما عن طريق أمسية أو عن طريق صحيفة أو مجلة أو ديوان.. بينما اليوم الشعراء ينشرون ما يريدون ويحاورون الجمهور.

في المقابل، يتجنب الكثير من التشكيليين نشر أعمالهم الحديثة لكونهم يعدّون لمعرض، والأمر لا يخلو من وجود لوحات على مواقع التواصل، بعضها قديم وبعضها حديث، لكن الملاحظ أن الشعر يمارس دوره أكثر. والمسألة ترجع بكل الأحوال إلى القدرة التعبيرية لدى المبدع، ومدى تمكنه من الاختراق والوصول.



* الكثير من النقاد لا يعترفون بما يسمى قصيدة النثر، فما رأيك في هذا النمط من الكتابة؟

- الشكل الأدبي الذي سمّي بقصيدة النثر مثّل حالة جدلية منذ انطلق. ومن حيث المبدأ لا أتفق مع التسمية، فالشعر مختلف عن النثر، والخلط بينهما غير مستحب. علماً بأني أتذوق الجيد من هذا النوع الكتابي، ولا أقف ضده، ولي أصدقاء كثر ممن يكتبونه، وكنت من أهم المحفزين لمن يكتبونه برقيّ بالنشر لهم في الصفحات الثقافية في صحيفة "الوطن" السعودية حين كنت رئيساً للقسم الثقافي فيها، وعدد ممن استقطبناهم وهم في بداية تكوين الهوية، صارت أسماؤهم معروفة اليوم في عالم الكتابة.

مشكلة ما سمّي بقصيدة النثر أنها جنت على أكثر من جيل، فإن كان روادها الأوائل أتقنوها، لكنهم تركوا أثراً سلبياً، الأمر الذي جعل كثيراً من الشباب يستسهلون الشعر ويظنون أنه مجرد "صف كلام"، وعليه، ضاع الشعر الحقيقي لدى عدد كبير من المتلقين، فما عادوا يميزون الشعر من النثر. وهناك مفارقة أن بعض من يكتبون هذا النوع يحاولون الالتزام بقافية معتقدين أنها تكفي ليكون ما يكتبونه قصيدة، وهذه إشكالية أخرى، فالكلام المقفى في هذه الحال أقرب إلى السجع، وهو نمط أدبي آخر مختلف عن الشعر.

باختصار، أستطيع القول إن من لا يجيد الشعر الموزون بنوعيه؛ العمودي والتفعيلة، يهرب إلى "النثر"، وتأثير ما سمي بقصيدة النثر كان سلبياً على من يكتبونها، ومن يتلقونها. وأما حديثهم عن وجود إيقاع داخلي فيها، فهو أمر غير مقنع، والأذن العربية تعرف الإيقاع وتستطيع التمييز بين نص إيقاعه واضح ونص لا إيقاع له.

   

* هل أصبحت الصحافة الإلكترونية أفضل من الورقية؟ وماذا تقول عنهما؟

- بشكل عام، الصحافة الإلكترونية اليوم أقوى حضوراً لدى المتلقي من الصحافة الورقية نتيجة التطورات التكنولوجية، لكنها ليست أفضل منها. وجملة "ليست أفضل منها"، رأي قطعي يخضع لعوامل أهمها: الجدية والمصداقية والموضوعة والاحترافية.. فهذه الأمور ما زالت من سمات الصحافة الورقية، وتفتقر إليها الكثير من الصحف والمواقع الإلكترونية. يضاف إلى ذلك أن الصحف الورقية الرصينة مازالت تتبع القواعد التي تأسست عليها الصحافة منذ بدايتها، كصناعة العناوين، والخبر وعناصره الأساسية، وأصول التحقيقات والتقارير والاستطلاعات، وغير ذلك من أنماط الكتابة الصحفية.

تراجع حضور الصحافة الورقية لدى المتلقي أمر منطقي بحكم اختلاف المعايير لدى هذا المتلقي الذي لم يعد يذهب لشراء صحيفته المفضلة صباحاً، إذ يكفي أن يفتح هاتفه المتحرك ليجد الصحيفة ذاتها وغيرها من صحفٍ لها مواقع سواء أكانت إلكترونية أو ورقية، ومثلها مواقع التواصل التي ينشر فيها الجميع معلومات متنوعة من بين صحيحة وغير صحيحة... كما أن "المعلن" ذاته ركب الموجة، فالصحف الورقية غير المدعومة حكومياً تعتمد على "المعلن" لتغطية نفقاتها. وتوجه "المعلن" إلى الإعلام الإلكتروني لنشر إعلاناته، وكذلك إلى ما يقال إنهم مشاهير "السوشيال ميديا"، جعل الصحافة الورقية تفقد أهم مصادر إيراداتها، ليبدأ تقليص عدد الموظفين، وبالتالي يزداد التراجع، وكي تصمد الصحافة الورقية يجب أن تبحث عن الاختراق عبر "انفرادات" وتحقيقات غير مألوفة، وتصنع كل منها شهرياً على الأقل ما كان يسمى ذات يوم "خبطة صحفية".

باختصار، هناك تخوفات مشروعة لدى الكثير من نهاية الصحف الورقية، وهناك بعضها أغلقت نهائياً وأخرى اكتفت بالإصدار الإلكتروني. والأعوام المقبلة سوف تظهر كثيراً من التحولات.

                               

ما أبرز المعوقات المؤدية لعدم الاهتمام بفن الخط العربي؟

- من الخلل أن تنظم تركيا أهم مسابقة للخط العربي في العالم وهي مسابقة "إرسيكا"، أما المسابقات العربية فهي أقرب للمحلية منها إلى الدولية. وكان أجدر بالعرب أن يكونوا الأصل، وهم قادرون على تأسيس مسابقة أكبر وأهم من "إرسيكا".

الخط العربي تراجع كفنّ عريق، وعدد الخطاطين المتميزين قليل هذه الأيام بالمقارنة مع الماضي، والمعوقات كثيرة، منها عدم إدراج "الخط العربي" في المناهج التعليمية، ولعل السبب يكمن في أن المدرسين لا يجيدون الخط العربي، لكن هذه العقبة يمكن تخطيها بالاستعانة بخطاطين متعاونين. ومنها أننا في زمن "لوحة المفاتيح" أو "الكيبورد" سواء على الكومبيوتر أو الهاتف النقال، وهذا الأمر أبعد الناس عن الكتابة باليد، فكيف لمن لم يألف الكتابة باليد أن يصبح خطاطاً ملماً ومتقناً لأنواع الخط أو بعضها.

منذ زمن ابن مقلة وابن البواب، والخط العربي يرتقي جيلاً وراء جيل إلى أن وصنا إلى زمن حامد الآمدي، ثم هاشم البغدادي الذي وضع كتاب قواعد الخط العربي وصار مرجعاً لأي خطاط في أنواع الخطوط الأساسية، كالنسخ والثلث والرقعة والديواني والتعليق.. والأسماء الكبيرة التي جاءت بعد هاشم لها بصمتها أيضاً، لكن الأسماء في القرن الحادي والعشرين ليست موجودة، وهنا أعني الأسماء التي نستطيع أن نقول عن أي منها بأنه مدرسة في الخط، مثل حال خطاطي مصر أو دمشق أو حلب في القرن العشرين، ففي حلب أذكر إبراهيم الرفاعي ومحمد علي المولوي ومحمد أمين السم، والأخير التقيته واستفدت منه.

ونلاحظ أن تلك الأسماء نالت شهرتها في زمن لم يكن فيه للإعلام هيمنته على الساحة كحال اليوم، مما يقودنا إلى أهمية أن يتولى الإعلام دوره في تقريب الجمهور إلى الخط العربي، وأن تتولى الحكومات دورها بتأسيس معاهد بإشراف كبار الخطاطين لتعليم الموهوبين، وبالتالي تتأسس قاعدة لجيل جديد عاشق للخط العربي، جيل قادر على نقل هذا العشق للجيل الذي يليه، وبذلك تستمر السلسلة.

* ختاماً، ما الرسالة التي توجهها إلى القارئ العربي؟

- لا ثقافة من دون قراءة، ولا معرفة من دون قراءة، ولا تطور في مسار الحياة أو تطوير للقدرات وبناء المهارات من دون قراءة ومعرفة.

بمقدور المرء أن يقرأ الكتب وأمهات الكتب.. الكتب المتخصصة التي يستهويه مجالها، والكتب التي تثري أعماقه وتشبع شغفه. وتلك القراءة قد تكون من الورق مباشرة أو عبر شاشة "كومبيوتر" أو هاتف.. الأهم أن نقرأ.. وكل شيء في الفضاء الإلكتروني متاح مجاناً لمن يريد. ومن الملاحظ حالياً عدم تقريب الجيل الجديد لفكرة القراءة بشكل عام، والأمر لا يخلو من وجود حالات إيجابية.. وهنا يأتي دور الأهل، فلو أن أياً منا عوّد أطفاله على القراءة، فإنهم يكبرون ومعهم سلاح المعرفة والعلم.

بالقراءة نواصل طريقنا في مجالنا ونساعد على تنمية عقولنا، وبالقراءة ندعم مواهبنا بما تحتاج من زادٍ كي تُصقل وتنضج، فمن قرأ الكثير من الشعر، فإن ذلك يثريه، ومثله من قرأ القصة والرواية والتاريخ.. وفي أي مجال.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق