مازن العليوي: حكاية للتاريخ: صديقاي، علاء ووالده الشاعر الرقيّ - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

السبت، 30 سبتمبر 2023

مازن العليوي: حكاية للتاريخ: صديقاي، علاء ووالده الشاعر الرقيّ

الشاعر الراحل محمد صالح حميدي

مازن العليوي 

من أجمل حكايات الصداقة أن تكون صديقاً لأب وابنه في الوقت ذاته، وتقول الحكاية:
كان في حارتنا بالرقة السورية أيام الطفولة كثير من الصغار من جيلنا، وكانت البيوت وقتها مفرخات للأطفال، والبيت الذي ليس فيه خمسة أطفال على الأقل من الجنسين، فهو استثناء..

من الاستثناءات كان بيت عمنا محمد صالح حميدي "أبوعلاء" يرحمه الله، فقد أنجب ولداً وبنتاً فقط، وعلاء حميدي من جيلنا، نلعب بالحارة وقت اللعب، ونذهب للمدرسة أوقات الدراسة..

مازلت أذكر العم "أبو علاء" بوقاره ونظّارته وهو يقود "موتور الفيسبا" الجميل ذاهباً إلى مكتبه قرب المجمع الحكومي، ويعود به مساء إلى البيت.

كبرنا، وذهبنا إلى الجامعة، وعندما أكون في الرقة وألتقي العم أبوعلاء في الحارة يسألني عن أخبار طالب الحقوق علاء، وهل يزوركم وتزورونه، وكأنه خائف عليه من رفاق السوء، ولا يريد له أن يصادق إلا من يثق في أخلاقهم.

محمد صالح حميدي

تخرجنا، وبعد نشاطاتي الثقافية الشعرية في الجامعة، حملت زخم التجربة إلى منبر المركز الثقافي بالرقة، وتوالت الأمسيات، ورأيت في إحداها – أواخر ثمانينات القرن العشرين - العم "أبوعلاء" بين الجمهور.. وما كنت قبل أعلم أنه يهوى الشعر، وبعدها عرفت من علاء أن أباه شاعر، وهو الذي دعاه لحضور الأمسية. فقررت زيارته للاطلاع على أشعاره، وحدثني في لقائي معه عن قصائد الأمسية وطلب مني سماع المزيد، وكانت الذاكرة آنذاك عامرة بالكثير.. وجاء دوره لأجد نفسي أمام شاعر متمرس بالفطرة، يمتلك بثقافته التي كوّنها بالقراءة قدرة كبيرة على تطويع بحور الشعر لأغراضه الشعرية.. والأكثر أهمية اكتشافاتي الأخرى، ومنها أن ذلك الشخص الوقور يحمل داخله روحاً مرحة لمّاحة، وأصر على ألا ناديه بـ"عمي" كما اعتدت، وأكتفي بـ"أبوعلاء"، فنحن صديقان، وتوهّجت المعارضات الشعرية بيننا في جلساتنا الشعرية التي كانت كلها في بيته بالطابق الثاني في المساكن القريبة من السبع بحرات.. وللأسف تلك القصائد ظلت في بيتنا بالرقة، وقصفت مع البيت، وصارت أثراً بعد عين، ولا أظن أن علاء لديه نسخة منها، فما بيننا كنت أدوّنه بخط يدي في دفتر خاص، وأغلبه ارتجالي، أكتبه على الدفتر ذاته وهو يلقي. وقد زودني أخي علاء مشكوراً ببعض الصور الخاصة بوالده، إحداها صفحة من قصيدة للراحل محمد صالح حميدي بخط يدي.
من قصيدة أين الطريق لمحمد صالح حميدي بخط مازن العليوي

حاولت إقناعه بالمشاركة في أمسية شعرية في المركز الثقافي، فلم يقبل، قائلاً إنه تقدم بالعمر وإن شعره لا يناسب ذائقة الجيل، وإن الأمسيات الحقيقة التي يستمتع بها هي هذه الجلسات الخاصة، فقد كان العم أبوعلاء يرتّب جلسات أدبية في بيته لكل ضيف شاعر من أصدقائي يزور الرقة، ولا يقبل أن تكون الجلسات في بيتي، فبيته هو المنتدى الخاص الذي يحبه، وأذكر من الشعراء الذين زاروه في بيته الشاعر الراحل المهندس عماد الدين علي الذي جاءنا زائراً من طرطوس، وكان أخي الشاعر - الذي هجر الشعر - عبدالحميد العليوي الشهير بـ"أبوعلي" يحضر بعض الجلسات. وأما علاء فكان يحترم خصوصية والده وأصدقاء والده بشكل كبير، ولم يحدث مرة أن دخل علينا مسلّماً أو مستشكفاً.

توالت الجلسات مع صديقي "أبوعلاء" بعيداً عن صديقي "علاء" الذي كانت معه جلسات أخرى، والجميل في الصداقتين أن أبا علاء لم يكن يريد أن يعرف علاء صورته المرحة التي نعايشها في جلساتنا، وأعتقد أن علاء يحمل الفكرة نفسها وإن لم يطلب ذلك.. وكنتُ أميناً مع الطرفين، وبعد مرور عقود أظن أن ما كتبته ليس إفشاء لسرّ بقدر ما هو حالة توثيق لجزء من سيرة شاعر. وعليه ها أنذا أكشف حكاية تلك الصداقة العميقة التي جمعتني بشاعر من جيل الروّاد، شاعر لم ينصفه الإعلام والزمن، شاعر ولد في "الباب في حلب" عام 1923، وتوفاه الله في الرقة التي عاش معظم حياته فيها عام 1999، وأسهم فيها في تأسيس اتحاد الحرفيين.. شاعر يستحق أن توثق سيرته وقصائده في كتب تاريخ الرقة.
قصيدة حيرة لمحمد صالح حميدي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.