حلب .. مدينة عالمية نابضة بالحياة - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الثلاثاء، 17 مارس 2020

حلب .. مدينة عالمية نابضة بالحياة

من أحياء حلب القديمة
من أحياء حلب القديمة

لم تكن حلب يوماً مدينة عادية بالنسبة لأبنائها ولكل من زارها وعشقها، فهي مدينة ذات نسيج اجتماعي ملون بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. يعيش فيها المسلمون والمسيحيون من كافة الأطياف والمذاهب، ويعيش فيها العرب والكرد والتركمان والأرمن والسريان.. يعيش فيها المحافظون والليبراليون. وتضم حلب أوابد تاريخية تعود إلى فترة ما قبل الميلاد بقرون طويلة.. وفيها شوارع وأبنية حديثة تحمل الطابع الحلبي بطرازه الحجري الأصيل.. هي مدينة يستمتع فيها الفقير والغني بأطيب "المحاشي والكبب" كل على حسب مقدرته.. مدينة هادئة صاخبة تجمع كل التناقضات في أجمل وأبهى صورها.

من أقدم المدن المأهولة عالمياً

تاريخياً، تقع حلب على مفترق طرق تجارية كبيرة منذ الألف الثانية قبل الميلاد وتعدّ من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم. وهي تقع في الجزء الشمالي الغربي من سوريا، على بعد حوالي 50 كم جنوب الحدود التركية وعلى بعد 100 كم من البحر الأبيض المتوسط ​​غرباً ونهر الفرات شرقاً.
خضعت حلب تباعاً لحكم الأكاديين والحثيين والآشوريين واليونانيين والرومان والأمويين والأيوبيون والمماليك والعثمانيين والفرنسيين، قبل أن تعود لجذورها العربية بعد استقلال سوريا من الاستعمار الفرنسي في العام 1946. يشكل المسجد الكبير (جامع زكريا) الذي يعود إلى القرن الثاني عشر والعديد من المدارس الدينية من القرن السادس عشر والقصور والخانات والحمامات الشعبية التي تعود للقرن السابع عشر جزءاً من النسيج الحضري الفريد المتماسك في المدينة.

القلعة الأثرية شاهد على العراقة

لكن أهم معالم هذه المدينة العريقة هي قلعتها الأثرية، التي ترتفع فوق أسواق ومساجد ومدارس المدينة القديمة المسورة، وتقدم شهادة على القوة العسكرية العربية من القرن الثاني عشر إلى القرن الرابع عشر. تضم قلعة حلب الكثير من الآثار التي تدل على امتداد الحضارات في الماضي، والتي يعود تاريخ بعضها إلى القرن العاشر قبل الميلاد، كما تضم بقايا المساجد والقصر ومباني الحمامات. تحمل المدينة المسورّة التي نشأت حول القلعة دليلاً على تخطيط الشارع اليوناني الروماني المبكر وتحتوي على بقايا المباني المسيحية في القرن السادس، والجدران والبوابات في العصور الوسطى، والمساجد والمدارس التي ترتبط بالتطور الأيوبي والمملوكي للمدينة، والمساجد اللاحقة وقصور الفترة العثمانية. 
قلعة حلب

خارج الأسوار، يضم حي باب الفرج إلى الشمال الغربي من القلعة، ومنطقة الجديدة إلى الشمال ومناطق أخرى إلى الجنوب والغرب مباني ومعالم دينية مهمة. حدثت تغييرات أساسية في أجزاء من المدينة في الثلاثين عاماً التي سبقت النقش، بما في ذلك تدمير المباني، وتطوير المباني الجديدة الطويلة والطرق الموسعة. ومع ذلك، فإن المجموعة الباقية من المباني الرئيسة وكذلك تماسك الطابع الحضري للأسواق والشوارع والممرات السكنية تسهم جميعها في القيمة العالمية البارزة للمكان.




أوجاع سوق المدينة

أما (سوق المدينة) فله حكاية أخرى تدمي القلب. قبل أن يصبح ساحة معركة في القرن الحادي والعشرين، احتضن الحي القديم التاريخي في حلب أطول وأقدم شبكة من الأسواق المغطاة العالمية، والمعروفة بـ(سوق المدينة). كان هناك 45 سوقاً متصلة مع بعضها البعض، يعود تاريخها إلى العصور الوسطى وتشكل متاهة يبلغ طولها 13 كيلومتراً يأتي إليها السوريون والأجانب للتسوق والعمل والتواصل. بين عامي 2012 و 2016، نشبت معارك طاحنة بين الأطراف المتحاربة للسيطرة على حلب التي كانت آنذاك أكبر مدينة في سوريا (كان عدد السكان قبل بداية الأزمة في سوريا 4.6 مليون نسمة حسب الإحصاءات الرسمية). ولكن عندما هدأت الحرب في الحي القديم، كانت جميع الأسواق تقريباً وجميع متاجرها البالغ عددها 1600 متجر قد لحقت بها الأضرار أو دمرت.

استعادة النبض الحيوي

تهدف الجهود الحالية بالتعاون مع منظمات التراث الأجنبية إلى إعادة الحي القديم إلى الحياة من خلال إعادة بناء شبكة السوق شيئاً فشيئاً. من أول الأقسام التي تم ترميمها سوق (السقطية)، وهو يمتد على مسافة 100 متر تقريباً وهو مرصوف بالحصى ويحتوي على 53 متجراً. تعني (سقطية) بائع اللحوم، وتحت سقف السوق المقوّس، يصرخ البائعون مرة أخرى مدللين بضاعتهم، بما في ذلك اللحوم الطازجة والمكسرات والحلويات والملابس ومستلزمات النظافة.
بعد هدوء الحرب، وعودة حلب إلى سيطرة الدولة المركزية، بدأت الآن تستعيد سيرتها الأولى شيئاً فشيئاً. المطاعم والمقاهي مليئة بالناس حتى وقت متأخر من الليل، والشوارع مزدحمة بالسيارات، والمحلات التجارية والمصانع بدأت تدريجياً تستعيد نبضها الحيوي المميز. الحدائق العامة في حلب، خاصة الحديقة العامة (المشتل) وحديقة السبيل، تحتضن زوارها الباحثين عن الهدوء والمتعة والاسترخاء.
على الرغم من سنوات الحرب والدمار التي شهدتها حلب منذ بداية الأزمة في سوريا، إلا أن الحياة فيها لم تتوقف يوماً. تباطأت قليلاً، لكتها بدأت تعود إلى ما كانت عليه بهمة أبنائها المعروفين بجديتهم في العمل وحبهم للحياة والجمال والطرب الأصيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق