ماهر حميد عن مدائن صالح: مدينة شيدت كي تنتهي - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الخميس، 9 أبريل 2020

ماهر حميد عن مدائن صالح: مدينة شيدت كي تنتهي

المهندس ماهر حميد في مدائن صالح
المهندس ماهر حميد في مدائن صالح


في قراءة خاصة قدمها الباحث التاريخي المهندس ماهر حميد لموقع "الجسر" عن منطقة الحجر التاريخية في آثار "العُلا" التي تضم مدائن صالح في المملكة العربية السعودية، يرى أن تلك الحضارة التي ازدهرت مدة من التاريخ القديم لم تكن تمتلك مقومات الاستمرار، وأنها تهاوت بسرعة لكونها مجرد مغامرة قبلية أخذت طابعاً حضارياً شكلاً وليس مضموناً.


حلقة مفقودة في المعادلة الحضارية

يقول المهندس ماهر: في مدائن صالح توجد حلقة مفقودة تصنع خللاً في المعادلة الحضارية التي قرأنا عنها.. ولو تعمقنا في تفاصيل تلك الحضارة، لاكتشفنا أننا نقف في حالة ذهول ونحن نتأمل تلك الروائع الهندسية التي أنتجتها الحضارة النبطية الآرامية، كما أننا نكتشف حالة لافتة من التسامج الديني في المكان من خلال تلك النقوش الباقية والموجودة على المقابر، فمن يعتنق ديانة سماوية يظهر إلى جوار من يعتنق معتقداً وثنياً، ويوجد تعددية في أسماء الآلهة هناك، الأمر الذي يؤكد وجود خيارات لدى الأشخاص في تحديد الإله الذي يريد كل منهم عبادته، وهو في هذه الحالة لا يلزم بأن يعبد الإله الخاص بالمدينة.
إلى ذلك، وعبر قراءة ما بقي من نقوش نكتشف أن للمرأة دوراً بارزاً في المنطقة بلغ حدّ إطلاق أسماء النساء على المقابر. أما التعصب للعرق فقد غاب عن المكان، إذ نجد شخصاً وقد كُتب اسمه باللغة العبرية، فيما جاء اسم أبيه بلغة أقرب إلى البدوية.. وقد نقرأ اسماً آخر باللغة الآرامية، فيما كُتب اسم والده باللغة العربية.. ولا يتوقف الأمر عند هذه الحدود، فقد نجد اسماً إغريقياً للابن، أما أبوه فاسمه آرامي.. وهكذا..
ولو أضفنا إلى ما سبق خروج سكان المكان الواضح عن تقاليد العرب وأعرافهم، ويبدو ذلك من خلال ندرة توافق كنية الزوج مع كنية زوجته، بمعنى أن العادة العربية القديمة المتمتثة في زواج الشخص من ابنة عمه لم تكن طاغية على الواقع المجتمعي.. لوجدنا حالة مختلفة في شكلها عن السائد. 
ويؤكد ماهر حميد أنه على الرغم من كل تلك المظاهر الموحية بحضارة راقية في زمنها إلا أن المعادلة الحضارية كانت مختلة تماماً.



غياب قوانين الدولة

ويتابع ماهر حميد في قراءته: على الرغم من كل هذا التطور في المجالات المعمارية والاجتماعية وكذلك الدينية فإن الملك الحارث يظهر تحت اسم (الذي يحب شعبه).. والملك الحارث قد حكم المكان ما يقاب نصف قرن من الزمن، ولم يترك كرسي العرش إلا حين توجه إلى لحده، تماماً مثل الذين سبقوه أو أتوا بعده.. وفي مراسيمه تحول كل ما في حياة مواطنيه إلى هبة تقدم من الملك، بما في ذلك حب الملك للشعب.. وفي تركيبة نظام الحكم ليس على الشعب أن يحب ملكه فحسب، وإنما عليه فوق ذلك أن يخشاه ويهابه ويطيعه طاعة عمياء. وهنا نود الإشارة إلى عقوبات مفروضة على من يخالف ما كتب على باب المقابر على شكل وصايا وضعت من قبل صاحب هذه المقبرة أو تلك، وصاحب المقبرة يحدد لذاته منزلة معينة، وتبعاً لها يثبّت عقوبات على غيره، مما يعني أن منزلة صاحب المقبرة هي الفيصل في العقوبات التي لا قانون لها.. ليتضح في نهاية المطاف أن هناك قانوناً واحداً لا يناقش، وهو أن دفع الأتاوات لا يكون لمؤسسة ضمن الدولة أو إلى خزينتها، بل تدفع للملك الذي يوصف بـ(الذي يحب شعبه) وفق قرار ملكي وليس خياراً شعبياً. 
ومختصر ما سبق هو أن من بنوا مدينة جميلة وأنجزوا نمطاً عمرانياً ومجتمعياً خاصاً بهم كانوا عاجزين تماماً عن تثبيت أنظمة وقوانين للدولة، واستمرت عقليتهم تدور في فلك أفكار "العربان" والقبيلة والأعراف الموجودة على امتداد البيئة المكانية.

مغامرة قبلية تهاوت أمام القانون الروماني

ويخلص المهندس ماهر إلى أن أهل منطقة الحجر لم يتجاوزوا كونهم قبيلة ابتعدت عن السكن في بيوت الشعر والخيام، لتسكن في مباني فاخرة فخمة بمعايير ذلك الزمن، كما أن تلك القبيلة عملت على دفن موتاها في قبور فخمة أيضاً. 
ويعلق ماهر على نجاح رجال الحِجر في جعل مملكتهم تستمر قروناً عدة، بأن ذلك لم ينتج عن فكرهم أو تخطيطهم، وإنما لظروف الزمن التي أحاطت بهم آنذاك.. تلك الظروف التي أبعدت العيون عنهم، وأهم ما فيها على سبيل المثال انشغال القوى المهيمنة على المنطقة برمتها في حروب على تقاسم ما خلّفه الإسكندر، وكذلك ظروف أخرى كانت موجودة في المنطقة.. 
ويكمل ماهر حميد بالقول إن مدائن صالح لم تكن مختلفة في هذا المجال عن ممالك أو حضارات مؤقتة أخرى مثل تدمر أو الحضر وغيرهما من المدن التي شيدها الأعراب، فالحضارة في مدائن صالح لم تكن سوى مغامرة صحراوية من قبل إحدى القبائل، خرج بها أهلها عن السائد في الصحراء.. لكن المدينة التي بنوها لم يتمكنوا من تشكيل ملامح حضارية لها سوى بما تعارفوا عليه من قوانين قبلية. فلم يكن لديهم قوانين خاصة بهم ولم يضعوا دستوراً ينظم أمور المجتمع والحياة المعيشية، ولم يرسموا الخطط المستقبلية، وعليه لم تستطع مدنهم مقاومة مدّ جيوش الرومان التي تمتلك خططاً وعدة وعتاداً، وتعمل وفق التزامات يضبطها القانون والتقسيمات العسكرية، قانون لا يسمح بتجاوزه من قبل أي شخص بدءاً من أصغر جندي وانتهاء بالإمبراطور نفسه. 
ويختم المهندس ماهر بالقول: بناء على ما سبق ذكره، لم يستطع الحب الملكي الصمود وهو يواجه القانون الروماني الصلب، لذلك تهاوت تلك الحضارة التي لم تشيّد من أجل الشعب.. وإنما شيّدت من أجل ذلك الملك (الذي يحب شعبه).. وبزوالها يمكن لأي قارئ واع أن يدرك الفارق بين حضارة مؤقتة لم يبق منها سوى نقوش وبقايا أبنية، وحضارة ارتكزت على القانون فاستمرت طويلاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق