من المدونات إلى المواطن الصحفي.. إعلام جديد أم فوضى إعلام؟ - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الخميس، 23 أبريل 2020

من المدونات إلى المواطن الصحفي.. إعلام جديد أم فوضى إعلام؟

من المدونات إلى المواطن الصحفي..  إعلام جديد أم فوضى إعلام؟
من المدونات إلى المواطن الصحفي

دراسة: عبير الصغير

يمكن تعريف المدونات بأنها عبارة عن مكان بمقدور البشر عبره النشر بحرية، والتحاور وطرح الأفكار والآراء مهما كانت نوعية الموضوعات المطروحة. ومن خلالها يستطيع الشخص أن يطرح أي فكرة يريد، لعرضها للحوار، أو لمجرد طرحها فقط، وتركها لمن يريد أن يقرأ.. ويستطيع الشخص أن يكشف عن اسمه أو يستخدم اسماً مستعاراً لإخفاء شخصيته، وهذا أمر اعتمده الكثير خاصة في العالم العربي.
والأرجح أن مفردة "مدونة" كمصطلح ابتكرها بريطاني اسمه جورن بارجر في 17 ديسمبر من العام 1997، ليصف بها الموقع العائد له والذي يستعمله لسجلاته اليومية، مستخدماً جزئيتي web و log للتعبير عن الموقع. وقيل إن صحفياً من الولايات المتحدة يدعى "جاستن هول" سبقه بالتدوين سنة 1994 أيام دراسته الجامعية، من غير استخدام المصطلح، وقد تحدثت عنه صحيفة نيويورك تايمز واصفة إياه بـ"مؤسس المدونات"، وفي العام 1999 تم تقدير عدد من يدونون على صفحات شخصية بـ50 على مستوى العالم، واللافت أن العدد اقترب من مليون بعد 3 سنوات.


المدونون العرب 

تعد المرحلة الأبرز في تاريخ المدونات هي مرحلة الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد العراق، فأخذت المدونات بالانتشار منذ العام 2003. أما على المستوى العربي، فيعدّ العام 2004 هو الذي شهد بداياتها، غير أنها انتشرت أكثر وصارت مؤثرة إلى حدٍّ ما في العام 2005 .. وخلاله كانت مرحلة جديدة من الوعي الشبابي قد ظهرت متزامنة مع نشاط سياسي انطلقت عبره أصوات كثيرة تتحدث عن مواضع الخلل وتطالب بإجراء إصلاحات في مختلف المجالات، وكان للمدونين في هذا الحراك نصيب لا بأس به، وأسهموا في رفع مستوى الوعي لدى الجيل الجديد وخاصة في مصر، وكذلك في سورية وتونس. ويبدو أن معظم الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية لم تقدر أهمية الإنترنت، وما فيه من مزايا وخدمات قد تجعل الكثير يطرحون من خلاله آراءهم الشخصية الناقدة لها أو التي تعري أخطاءها، وتتحدث عن مواطن الفساد فيها وتدعو للإصلاح والتغيير، وقد يصل الأمر حدّ اعتبارها فضائح.. ولأن ذلك لم يحدث، فقد استمر الغليان الداخلي لدى الشباب إلى أن انتهى بما شهدناه من أحداث غيّرت وجه المنطقة، وأدت إلى تحولات في العملية الديمقراطية، ودعت الجميع ممن تمر بلادهم باضطرابات إلى أن يحسبوا ألف حساب لتوجهات وأفكار المواطنين خشية الوقوع في المحذور.
قد يكون المدونون في مصر أول من بادر بالتدوين السياسي والمجتمعي الناقد، وعبر مدوناتهم استطاعوا خلق مساحات جديدة من الحرية التي تمكنوا بها من التعبير عن آرائهم، ولم يعرقلهم ما واجهوه من قمع، بل استمروا بتوجيه كتاباتهم لمناقشة الكثير من القضايا السياسية والمجتمعية.
وقد استخدم المدونون في الدول العربية تقنية تدعي "الويب 2"، وربطوا المدونات التي يكتبون فيها بعدد من المواقع مثل فيس بوك، ويوتيوب، وويكيبيديا.. وكذلك بمواقع إخبارية كموقع "بي بي سي" وموقع "العربية. نت" وغيرهما من مواقع. ومن جهة أخرى التفتت إليهم بعض الصحف، ووضعت لهم زاوية لكتاباتهم. كذلك التفتت إليهم الفضائيات الإخبارية.
كما بدأت عمليات رصد المدونين، وما ينتجون من كتابات، ودرجة انتشارهم، وإقبال الناس على مدوناتهم، ومن ذلك رصد أفضل المدونات العربية للعام 2013، الذي جاء كالتالي:
مدونة أحمد ولد جدو، مدونة حبر، مدونة معمل ألوان، مدونة عمر توك، مدونة عالم التقنية، مدون قرأت، مدونة الأصوات العالمية، مدونة انتفاضة المرأة في العالم العربي، مدونة المحترف. 






المواطن الصحفي 

بعد انتشار المدونات وشهرة بعضها، وضمن تطور منطقي فرضته التحولات التكنولوجية، ظهر مصطلح "المواطن الصحفي" في فضاءات الإعلام، بعد أن صار المواطن عنصراً فاعلاً مشاركاً في نقل الصورة والحدث بأزمنة قياسية بالمقارنة مع وسائل الإعلام التقليدي، مع اختلاف سوية من يحاولون العمل في هذا المجال، لكن الحقيقة التي يجب أن تقال هي أنهم أوجدوا نمطاً إعلامياً جديداً غير مألوف من قبل، كما أن عدداً منهم استخدم منصته للترويج لمغالطات كي يسيء لمن يخالفونه الرأي، الأمر الذي خلق فوضى إعلامية غير محمودة، فغابت الثقة إلا عن القليل.
وتنوعت المصطلحات التي أطلقت حول من يمارسون الصحافة على الإنترنت بأدوات بسيطة من المواطنين، فقيل إنها "صحافة تطوعية"، وقيل "إعلام الهواة" أو "صحافة النحن"، أو "صحافة تشاركية" أو "صحافة تقوم على النقاش" أو "إعلام المصدر المفتوح" وغير ذلك. لكن القاسم المشترك بينها كلها هو أن المواطن يمارس نشاطاً صحفياً بغض النظر عن قدراته وإمكاناته المهنية، أما المضمون فهو باختصار رسائل يوجهها إلى باقي المواطنين.
وعلى الرغم من وجود صحفيين متمرسين في المدونات من ضمن مهامهم متابعة صحافة المواطنين، لكن معظم من يمارس هذا العمل هم من الهواة الذي يحاولون تلمس طرق صياغة الأخبار وآلية صناعة التقارير والتحقيقات الصحفية، وقد يحلم الكثير منهم بأن يصبحوا مراسلين لقنوات فضائية وصحف أو على الأقل مصادر للمعلومات الفورية لتلك الوسائل. 



تنبّه وسائل الإعلام 

تنبهت الكثير من وسائل الإعلام العربية إلى "المواطن الصحفي" وعملت على الاستفادة منه، لذلك صرنا نرى في بعضها باباً خاصاً للأخبار والمعلومات التي يرسلها "المواطن الصحفي" الذي يجتهد بالصياغة والتصوير والإرسال، لتأتي بعده مهمة قسم التحرير المركزي في الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية ليعيد الصياغة بالطريقة الاحترافية والتي تنسجم مع أسلوبها، وحذف ما قد يراه غير مناسب لأسباب تحريرية أو رقابية، وتمرير ما يراه ملائماً لسياسة التحرير، ويقدم خدمة للمتلقي.
وكمثال على ما سبق، من الصحف التي خصصت زاوية لـ"المواطن الصحفي" صحيفة "الوفد" المصرية، وصحيفة "الوطن" السعودية، وكذلك هناك فضائيات فعلت الأمر نفسه مثل قناة العربية في برنامج "أنا أرى"، وغيرها .. وفيها كلها يتم استقبال المواد من المواطنين أينما كانوا. 



مزايا الموطن الصحفي 

من أهم المزايا التي يتمتع بها "المواطن الصحفي" أنه لا يخضع لسياسات وأساليب الوسائل الإعلامية، أي بمعنى آخر، استطاع أخذ مساحة مما كانت تسيطر عليه في نقل الأخبار والمعلومات إلى المتلقين، ليتحول بذاته إلى وسيلة خاصة تنقل الصورة والصوت مباشرة من غير ضوابط يخضع لها سوى قناعاته بما يريد أن يبث أو ينشر، وهذا الأمر أفقد السلطات الرسمية وكذلك الجهات المتخصصة داخل وسائل الإعلام القدرة على الرقابة المسبقة، ففرض "المواطنون الصحفيون" أنفسهم على الساحة كمصادر جديدة للإعلام كاسرين بذلك حواجز الإعلام التقليدي، مع التفاوت في درجة الموثوقية بهم من قبل الجمهور. وعلى الرغم من ذلك فإن عدداً لا بأس به منهم صار مصدراً للإعلام التقليدي الذي اعتمد على منشوراتهم في تعبئة بعض مساحاته.
أما الميزة الأشد ظهوراً في ظاهرة "المواطن الصحفي" فهي التفات صاحب القرار العربي في بعض الدول إليه، فصار هناك ربط مباشر من غير وسطاء بين الحاكم والمحكوم، مما قاد إلى تطوير وإن كان جزئياً في الصورة الديمقراطية، والعمليات الانتخابية، وبات المواطنون يتحاورون عبر تطبيقات مواقع التواصل مع صناع القرار العرب من الشخصيات السياسية البارزة ذات التأثير في القرار.



التغيير الإيجابي لصالح الإنسان

في الختام، تطور دور وسائل الإعلام، لتتحول من مجرد ناقل للخبر أو محلل له، إلى عنصر فاعل في عملية التطوير والتحول والتغيير على المستويين العربي والعالمي، ولم يقف دور مواقع التواصل إعلامياً على تحريك الثورات العربية، وإنما تخطاه إلى مجالات أخرى في الثقافة والاقتصاد والقضايا الاجتماعية وغيرها .. وهذا ما أسهم بدفع العملية الديمقراطية إلى الأمام في بعض الدول، بعد أن صار بمقدور أي فرد أو مجموعة في أي مكان إنشاء منصة إعلامية والتحدث خارج حدود الرقابة المتعارف عليها، أما الأنظمة المتقوقعة على ذاتها والتي لا تسمح بالنقد أو ترفض التطور ضمن حركة التاريخ الطبيعية، فقد أصبحت الفضاءات المفتوحة تشكل خطراً عليها، وإن لم تتغير بإرادتها، فالمنطق يقول إنها سوف تفعل ذلك مجبرة، فالإنسان العادي بات مدركاً أن لديه إمكانات هائلة يستطيع أن يهز بها أعتى الأشخاص أو الحكومات. وهذا ما يجب أن يعرفه من لازالوا يتخيلون أنهم المصدر الوحيد الذي تتلقى منه الشعوب الأخبار والمعلومات.
والأكيد أن "الإعلام التواصلي" بمختلف أشكاله سيكون له دور كبير في التغيير الإيجابي لصالح الإنسان أينما كان، وسوف يكون مؤثراً أكثر مما سبق في جعل الخريطة السياسية تنحرف لما يخدم مصالحه، فما قدمه الناس بما فيهم "المواطنون الصحفيون" عبر مواقع التواصل خلال الثورات العربية، قرع الجرس للجميع منبهاً إلى أهمية التغيير الإيجابي، ووضع خدمة المواطن العادي في مقدمة أولويات الحكومات، ولا مكان في المستقبل للمتقاعسين عن الارتقاء بطموحات شعوبهم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق