تأثير الفلسفة الإسلامية على الفكر الغربي - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الثلاثاء، 28 أبريل 2020

تأثير الفلسفة الإسلامية على الفكر الغربي

تأثير الفلسفة الإسلامية على الفكر الغربي

على الرغم من الرقي الذي شهدته الحضارة اليونانية في مجال الفلسفة خاصة مع أفلاطون وتلميذه أرسطو الذي يعد مؤسس الفلسفة الغربية بشكل عام ولذلك لُقّبَ بالمعلم الأول، إلا أن الفلسفة تراجعت لدى الغرب في عصور لاحقة، لتشهد ازدهاراً في مناطق أخرى كما في الحضارة الإسلامية زمن أوجها أيام كانت الدولة الإسلامية تمتد من الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً.


مركز إشعاع علمي

ولعل الحضارة الإسلامية آنذاك استفادت من مرحلة انتعاش الترجمة فيها ليطلع علماؤها على ما أنتج لدى الحضارات الأخرى كاليونانية والفارسية والهندية.. واستطاعوا بعدها الخروج بأفكار فلسفية مبتكرة، لذلك لا غرابة بأن ينال الفارابي لقب المعلم الثاني نسبة للمعلم الأول أرسطو بسبب اهتمامه بالمنطق، والفارابي هو شارح مؤلفات أرسطو المنطقية (1).
وشهدت الأندلس نهضة علمية وثقافية وفكرية بسبب الاستقرار بعد تكوين الدولة، وكانت الفلسفة من العلوم التي قطع فيها العلماء العرب والمسلمين أشواطاً بعيدة.. ولذلك فقد كان تأثير أفكارهم ونظرياتهم الفلسفية على العقلية الأوروبية كبيراً جداً، وهنا يمكن القول إن الأندلس (إسبانيا) أخذت مكانتها كمركز إشعاع علمي نهضوي، وعن طريقها عرفت أوروبا فلاسفة الشرق، حيث أشرف رايموندو أسقف طليطلة على ترجمة كثير من أعمال العلماء المسلمين (2) .. وقد أصبحت طليطلة بعد أن استولى عليها ألفونسو السادس عام 1085م المركز الذي انتشرت منه الثقافة العربية إلى باقي نواحي إسبانيا وأوروبا.. 



المترجمون والكتّاب

وتولى رايموندو رعاية جماعة من المترجمين والكتاب، تعرف في تاريخ الأدب بـ (مدرسة المترجمين الطليطليين)، وحفز أفرادها على الهمة في نقل المؤلفات العربية، فتمت في هذه المدرسة ترجمة عيونها في الرياضيات والفلك والطب والكيمياء والطبيعة والتاريخ الطبيعي وما وراء الطبيعة وعلم النفس والمنطق والسياسة، ومنها "أورجانون" أرسطو وشروح المسلمين عليه أو مختصراتهم له، وهي شروح مختصرات جليلة وضعها فلاسفة مسلمون من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد. وتُرجمت عن العربية كذلك مؤلفات إقليدس وبطلميوس وجالينوس وأبقراط، بشروح أعلام الفكر الإسلامي عليها كالخوارزمي وابن سينا وابن رشد والبطروجي وآخرين (3).
أي إن اتصال العقلية الأوربية الغربية بالفكر العربي في الأندلس هو الذي دفعها لدراسة الفلسفية اليونانية. وقد بيّن روجر بيكون أن معظم فلسفة أرسطو ظلت عديمة الأثر في الغرب لضياع المحفوظات التي حوت هذه الفلسفة أو لندرتها وصعوبة تذوقها حتى ظهر فلاسفة المسلمين الذين نقلوا فلسفة أرسطو وشرحها وعرضها على الناس عرضاً شاملاً، ومن فلاسفة الأندلس الذين كان لهم أعمق الأثر في الفكر الأوربي، ابن باجه، وابن الطفيل، وابن رشد (4).





الفكر الحر وتحكيم العقل

ومن النقاط المهمة في المنجز الفلسفي للمسلمين أن ابن رشد يعد الشارح الأعظم لفلسفة أرسطو، وكان أول من أدخل فلسفة ابن رشد إلى أوربا ميخائيل سكوت سنة 1230م. ولم يأت منتصف القرن الثالث عشر حتى كانت جميع كتب ابن رشد قد ترجمت إلى اللاتينية. ولم ينتصف القرن الخامس عشر حتى صار ابن رشد صاحب السلطان المطلق في كلية بارو بإيطاليا والمعلم الأكبر دون منازع (5).
إلى ذلك كان لأفكار ابن رشد أثر كبير في خروج كثير من الغربيين على تعاليم الكنيسة، وتمسكهم بمبدأ الفكر الحر وتحكيم العقل على أساس المشاهدة والتجربة. وبان ذلك بوضوح في فلسفة القديس توما الأكويني (1125-1274م)، فالفصول التي كتبها توما في العقل والعقيدة وعجز العقل عن إدراك الأسرار الإلهية ليست إلا مقابلاً لما كتبه ابن رشد في كتاب )فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال). وبلغ تأثر الأكويني بفلسفة ابن رشد أن كتابه (الخلاصة) يحوي أفكاراً لمذاهب إسلامية الأصل، مما يثبت أن الأثر الذي تركه ابن رشد في عقلية الغرب لم يكن مجرد لشروح كتابات أرسطو وإنما كان أبعد وأعمق من ذلك بكثير (6).

ابن رشد وابن عربي

إلى ذلك، لا أحد ينكر أن الفيلسوف الألماني كانت Kant هو أحد أكبر تلاميذ ابن رشد.. يقول جوستاف لوبون عن ابن رشد إنه: كان الحجة البالغة للفلسفة في جامعاتنا منذ أوائل القرن الثالث عشر من الميلاد، لما حاول لويس الحادي عشر تنظيم أمور التعليم في سنة 1473م أمر بتدريس مذهب هذا الفيلسوف العربي ومذهب أرسطو (7).
كما كان للفيلسوف الصوفي محيي الدين بن عربي (560ه / 1164م – 638ه / 1240م) أثر كبير في عقول النساك والمتصوفة من فقهاء المسيحية الذين ظهروا بعده. ويرى الإسباني ميغيل آسين بلاثيوس (8) أن نزعات دانتي الصوفية وأوصافه لعالم الغيب مستمدة من محيي الدين بن عربي بغير تصرف كثير.
من جهة أخرى تتقاطع غالبية الأفكار الواردة في (الملهاة الإلهيّة) لدانتي مع (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، وذهب بلاثيوس في كتاب تحت عنوان (علم الآخرة الإسلامي في الملهاة الإلهيّة، 1919م) إلى أبعاد كثيرة، وأثار حينها تساؤلات كثيرة حول مدى اطلاع دانتي على مؤلفات محيي الدين بن عربي ورؤية المعري في (رسالة الغفران) (9).

أول فلاسفة الغرب الصوفيين

وبحسب المعلومات المتعارف عليها فإن أول الفلاسفة الصوفيين من الغربيين هو جوهان أكهارت (10) الألماني، ونشأ في القرن التالي لعصر ابن عربي ودرس في جامعة باريس، وهي الجامعة التي كانت تعتمد على الثقافة الأندلسية في الحكمة والعلوم، وأكهارت يقول كما يقول ابن عربي، إِن الله هو الوجود الحق ولا موجود سواه، وأن الحقيقة الإلهية تتجلى في جميع الأشياء ولا سيما روح الإنسان التي مصيرها إلى الاتصال بالله من طريق الرياضة والمعرفة والتسبيح، وأن صلة الروح بالله ألزم من صلة المادة بالصورة، والأجزاء بالكل، والأعضاء بالأجسام (11).
وقد اقتبس الفيلسوف المتصوف الأسباني – رامون لول (12) – من ابن عربي خاصة في كتابه (أسماء الله الحسنى) لأنه كان يحسن العربية، وعاش بعد ابن عربي بقرن واحد، وجعل أسماء الله مئة، وهي لم تعرف بهذا العدد في الديانة المسيحية قبل ذاك.



المراجع


[1] - موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية
[2] - آنخل جنثالث بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، مكتبة النهضة المصرية، 1955
[3] - موقع مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، عن كتاب تاريخ الفكر الأندلسي، آنخل جنثالث بالنثيا.
[4] كتاب الأدب المقارن، إعداد القسم الأكاديميّ، جامعة المدينة العالمية
[5] - جودة هلال ومحمد صبح : قرطبة في التاريخ الإسلامي، ص104-105.
[6] - سعيد عاشور: فضل العرب على الحضارة الأوربية. القاهرة 1957، ص 36.
[7] - جوستاف لوبون: حضارة العرب، ص 569.
[8] - مستشرق وقس كاثوليكي إسباني (1871 – 1944م).
[9] - صحيفة البيان،26 ديسمبر 2014، دانتي و«رسالة الغفران» وحدة فكرية وطرقات متباينة، محمود شاهين.
[10] - (1328 – 1260م) فيلسوف وعالم لاهوت، كان مسيحياً ولد فيما يعرف الآن بألمانيا.
[11] - عباس محمود العقاد : أثر العرب في الحضارة الأوربية. القاهرة 1963، ص 98-99.
[12] - فيلسوف كتالوني (1232 – 1315م)، من أسرة ميسورة الحال. أولع بالشعر، ثم انضم إلى رهبنة الفرنسيسكان. انكب على دراسة اللغة العربية والثقافة الإسلامية، قاصداً دعوة المسلمين إلى المسيحية. كان ذا نزعة صوفية عميقة، وله منهج رمزي دقيق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق