بسام الحافظ: فصل فراتي - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الاثنين، 4 مايو 2020

بسام الحافظ: فصل فراتي

الكاتب والقاص بسام الحافظ
الكاتب والقاص بسام الحافظ 


قصة قصيرة: بسام الحافظ

(عمّ أشيع على لسان د. عبدالسلام العجيلي يرحمه الله)

حاولت زوجتي حمرونة التخفيف عمّا ألم بي من وجعٍ قطَّع مصاريني، لكنها لم تفلح، صنعت لي البابونج واليانسون.. إلا أن بطني مازالت تنتفخ، تقرقع، أحس أن أمعائي ستندلق قدامي، وأنا بهذه الحال أخبرت بأن عنون قد حرن أمام باب الحوش رافضاً الدخول ورؤيتي بما أنا فيه، تحاملت على نفسي وناديت عليه:
ـ ادخل عنون، كفاك "زعرنة"، الذي لا يعرفك يقول يا سعادة أهله.
وبالكاد دلف من باب الغرفة وافترش العتبة، أخذ يجهش بالبكاء ويلطم على وجهه، ثم نزع عقاله من على رأسه ورماه أرضاً، مما دفع وحرض حمرونة على مشاركته ومناصرته، عقد النحيب والصياح، اختلط الدمع بالمخاط، وشرعا يندبان، كانت الضربات متواترة ومتناغمة، عندها أدركت أني ميت لا محالة، وبعد هنيهة ستأتي خشبة المغتسل.. قررا ذلك وأعلنا الحداد شئت أم لا.. أخذت أحيص وأتأفف، ثم صرخت:
- فأل الله ولافألك، العمى الضربك ضرب، أنا تعبت من معدتي، لعنة الله عليك يا أبـا الجُعل.
ـ سنأخذك إلى الطبيب، ولن يفلح إلا الدكتور درويش، والرجل لا يأخذ منا (النكلة) يقولون: درويش يعالج نفسياً، وعنده نكات توقع الواحد منا أرضاً من الضحك.
أقنعني عنون كعادته، وبمساعدة فزعة الجيران، رحلوني على فرشة، عبروا الشارع الرئيس وعنون يتقدمهم رافعاً يديه عالياً، وقد انحسرت الجمدانة عن رأسه، يحدث الذين وقفوا على طرفي الطريق دون سؤاله.
- لا شيء.. حمرون.. ياربي دخيلك.. على درويش، ربما أكل الكثير من الثرود وأصيب بالتخمة.. من البارحة لم يدخل "الجشمة" رأسه يابسة مثل رأس البغل.
أهل المدينة لا يعرفون حكيماً يداويهم إلا درويش، إن كان أحدهم مريضاً وصافحه، أيقن أن يد الطبيب دواء سيسري في عروقه، المارة يصرخون على عنون: 
ـ لا تذهبوا به إلى طبيب غير درويش، احترس عنون درويش حكيم المدينة.
ـ خذوه إلى درويش وسيرتاح، إبرة واحدة وينهض مثل الحصان الأدرع.
ـ إلى عيادة درويش دغري، لاتتأخروا، تراه عجي فقير ومسكين.
وعلى شيل وحط، وحط وشيل، حطوني داخل العيادة، وحين أبصرت الدكتور، أخذ يدي وبدأ ينقر على بطني عدة نقرات، ثم صفر وتراجع للخلف جافلاً:
ـ خذوه إلى غيري، علاجه ليس عندي، لا أقدر عليه، شيلوه من هنا.
ـ حكيم داخل على حليب أمك، لا تبعثنا على غيرك.
ـ لا.. خذوه إلى الدكتور (كاسر) يمكن يكون حامل ملعون الوالدين وهو في الشهر الأخير.






صعقت، أخذت أرتعش وكأن ماساً كهربائياً قد أصابني، ورحت أنتفض، تشبثت بثوب عنون داخلاً عليه .. تركنا الدكتور وأغلق باب غرفته.. أومأ عنون للجماعة أن يحملوني قبل أن تطق مي الرأس.

ـ شيلوني.. استرونا يا شباب، أنا داخل على الله وعليكم.. حامل!!.
دارت بنا الأرض، ولم يعد عنون ومرافقوه يعرفون على أي درب يمشون، وضيعنا الدروب، غرقنا في طاسة ماء.. هاجمني الوسواس الخناس، وراح يلعب عليّ.
ـ أمسكوا بالفراش حتى لا أقع، من أين جاءني الحمل يا عالم، رجل يحبل، ولك هذا الدكتور لا يعرف الشامية من الجزيرة؟!
ومن شدة الألم صرخت بهم:
ـ ولك أنتم عرضتموني على درويش؟ هذا الرجل الذي حدثني هو الدكتور درويش؟! أكيد الذي كلمكم عن مصيبتي السوداء؛ درويش؟!.. خربت الدنيا.. باطل، فعلتيها يا مريش خانم، تركتِ دور الحمل عليّ! والله لو أدري لأسقطت.. والله لا علم الله ولا خبره.. درويش بلحمه وشحمه.. فعلتها ياحمرون!..
درويش بلحمه وشحمه .. فعلتها ياغشيم؟! سودة عليك، صخم الله وجهك.. ولك تفو عليك، دائماً أقول للخانم مريش؛ انقلعي ونامي لوحدك.. يلعن كسمك، أنت تمزح يا أخو الحفيانة؟ ماذا أقول لأهلي وعشيرتي: حمرون حامل، وزغردن يا نسوان؟ فعلاً تصخم وجهي.
أرض تشيل وأخرى تحط، أوصلوني عيادة الدكتور(كسار)، تعب الرجال من حملي ونقلي، تعثر(كجاتو) مما أخل بتوازنهم، فتركوني وتناثروا داخل العيادة، وصرخت بالمقلوب:
ـ يا محمد دخيلك قامت القيامة، أريد أن أتشاهد.
فجأة خيم الدكتور كاسر فوقي، ثم مط شفتيه وبهدوء وصمت، أشار علينا أن نعود فوراً إلى الدكتور درويش.
ـ لا يعالجه إلا درويش؛ لقد تأكدت أن هذا الرجل حامل، انتهى دوري، خذوه على عجل قبل أن (تطق مي الرأس) حامل! لعنة الله عليك ياملعون الوالدين .. طبعاً سكت حتى الشهر التاسع؛ وهذه هي النتيجة.. خذوه بسرعة.
وبلا شعور، وقفت على طولي وأخذت أركض بطريقة جنونية، وعلى مسافة ليست بعيدة عني لحق بي (كجاتو) واضعاً الفراش والملاءة على رأسه؛ ويرميني بالحجارة والبندورة الخائسة، وهو يصرخ عليّ:
ـ ولك الركض يعجل الطلق، قف يا مهبول، ستفرح لاحقاً... طول بالك.





شمرت ثوبي وعضضت عليه بأسناني لئلا يعيقني بالركض، وعند وصولي عيادة الدكتور درويش (كبست فرين) فوقعت على ظهري.. همدت في مكاني دون حراك، رأيت حمرونة مع جوقة من النساء يجلسن عند رأسي وهن يندبن ويلطمن:

ـ لا نسألك يا رب رد القدر، ولكن نسألك اللطف فيه .. ولماذا أنت الحامل يا أخو الجحشة، ولك شلون؟ ولك من قلة النساء! يبوووو سودة علينا، ستضحك علينا العربان يا ابن الصرامي! ولك أوف، ألم تتوحم يامسكين؟!
ـ علامة القيامة ... دخيلك يا رب، الحمل لك يا مريش وليس له، ألم يظهر عليه الحمل في الشهر الثالث.. ألم يحس بالوحام؟
يتعالى صراخهن في فضاء المكان مدوياً، يتجمع الجوار، وأتحول فرجة لأهل المدينة الصغيرة الذين انحدروا من كل حدب وصوب، والآن وصل الخبر إلى القرية من قبل الراديو المتنقل؛ كشمولة خانم.
يخرج الدكتور درويش ضاحكاً، فأسكت اللغط والصراخ من حولي، وجلس القرفصاء عند رأسي وهمس وعلى محياه ابتسامة عريضة:
ـ تعال معي إلى داخل العيادة، هل يعقل أن تحبل الرجال يا غشيم؟ لقد اتفقت مع الدكتور (كاسر) عندما اتصلت به هاتفياً، أن يؤكد كلامي أنك حامل .. يعني مزحة وسامحني عليها.
عادت الدماء إلى وجهي وفرحت، إلا أنني شعرت بغازات بدأت تنفجر داخل مصاريني، ومن دون إحم أو دستور، تركتهم وركضت جهة مرحاض العيادة، وضحكات الدكتور وصوته يلاحقني ..
ـ هذا هو حملك يا حمرون.. تخلص منه على كيفك..
وقبل أن نغادر المدينة، استوقفتنا سيارات القرية المحشوة من أبناء عمومتي إلا أن صوت مؤذن الجامع حرق لنا الطبخة عندما جعر:
- الحمل كاذب ياناس ياهووو.. ياسامعين الصوت... الحاضر يعلم الغايب..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق