العرب وفيس بوك .. الاستخدام والتأثير والمستقبل - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الاثنين، 4 مايو 2020

العرب وفيس بوك .. الاستخدام والتأثير والمستقبل

العرب وفيس بوك .. الاستخدام والتأثير والمستقبل
العرب وفيس بوك .. الاستخدام والتأثير والمستقبل


دراسة: عبير الصغير

لم تمر مواقع التواصل الاجتماعي في المنطقة العربية مرور الكرام، بل إن العرب غاصوا في أعماقها ووظفوها بما يخدم غاياتهم على تنوع مجالاتها، لتصبح تلك المواقع منصات للحوار وتبادل الآراء وإبلاغ الرسائل بعيداً عن "الرقيب" الذي كان في مرحلة ما قبل مواقع التواصل حاجزاً يحول دون إيصال الأفكار إلى الآخرين إلا بعد مرورها عليه وغربلتها، غير أن الكثير منهم في الوقت ذاته لم يحسنوا استخدام الحرية في الفضاءات المفتوحة، فكانوا عبئاً على مواقع التواصل، وعلى مجتمعاتهم أيضاً.
واللافت في مواقع التواصل أنها لم تعد تقتصر على الأفراد، فعلى سبيل المثال هناك عدد كبير من الجهات العامة والخاصة أنشأت صفحات لها على موقع "فيس بوك"، بغرض الترويج لأنشطتها أو منتجاتها أو استقطاب متابعين لها وغير ذلك من أمور.



انتشار موقع "فيس بوك"

من خلال متابعة بسيطة لمواقع التواصل الاجتماعي نجد أن "فيس بوك" هو الأكثر انتشاراً في المنطقة العربية، ولعل ذلك يرجع إلى أسباب عدة، أهمها كونه الأقدم والأول في استخدام تكنولوجيا الـ AJAX التي ساعدت على الاستجابة اللحظية والتفاعلية بين المستخدمين دون الحاجة لتحميل الصفحة عند وضع اللايك أو التعليق أو مشاركة المنشور، بالإضافة إلى سهولة استخدامه، وإمكانية التحاور بين مجموعة كبيرة من الأشخاص فيه بشكل فوري مباشر في مختلف المجالات باللغة التي يحددونها، وإمكانية عمل مجموعات خاصة وغيرها، فقد بلغ عدد مستخدمي فيس بوك في العالم العربي 156 مليون مستخدم مع بداية 2017 بينما كان عدد المستخدمين في العام الذي سبقه 115 مليوناً ولا يزال يحتل الصدارة في الاستخدام مقارنة بالشبكات الاجتماعية.


مكانة بارزة خلال فترة الأحداث

وعليه، فإن موقع "فيس بوك" أخذ مكانة بارزة على المستوى الاجتماعي، منذ بداية انتشاره في الدول العربية، لكن المرحلة الأبرز كانت له مع اندلاع شرارة ما سمي بـ"الربيع العربي" في العام 2011، وانطلاق المظاهرات والثورات التي اكتسحت المنطقة العربية باستثناء المظاهرات الأولى في تونس، وكانت أحداث مصر من أقوى حالات تأثير "فيس بوك" عبر صفحة "كلنا خالد سعيد" التي أدت بشكل عام إلى توحيد موقف الشباب وتنظيم تحركاتهم وتحديد أيام التظاهر، وبالتالي تصاعد الأحداث إلى أن بلغت حد المصادمة بينهم وبين قوات الأمن، ما أسفر في النتيجة عن التغييرات التي شهدتها مصر. ولا يختلف الأمر كثيراً بين الأحداث التي اجتاحت سوريا واليمن وليبيا في العام 2011، وغالباً كان موقع فيس بوك يستخدم لنشر النداءات بتسميات أيام الجمعة لحشد المظاهرات.





ارتفاع عدد مستخدمي الموقع

غير أن الملاحظة الأشد أهمية هي ارتفاع عدد مستخدمي الموقع بنسبة 29 في المئة في الشهور الثلاثة الأولى من العام 2011 بالمقارنة مع العام السابق الذي كانت النسبة فيه خلال المدة نفسها 18 في المئة، ما يشير إلى أن موقع "فيس بوك" كان جزءاً من العوامل المؤثرة في المسارات السياسية العربية.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن استخدام "فيس بوك" للتواصل الاجتماعي كان موجوداً بصورة لافتة، فهو اختصر المسافات بين الأشخاص، ومع استمرار تطويره أصبح يمتلك صفات تفوق البريد الإلكتروني ومواقع المحادثة والاتصالات الهاتفية، إذ يمكن إرسال الصور والملفات من خلاله، وبحسب ما نشر موقع العربية نت في أكتوبر 2012 فإن عدد زوار موقع فيس بوك تجاوز المليار مستخدم شهرياً، 600 مليون منهم من خلال الهاتف المحمول، ومعدل أعمار رواد الموقع الجدد هو 22 عاماً.

صعوبة حصر الإيجابيات والسلبيات

من الصعب حصر جميع إيجابيات وسلبيات موقع "فيس بوك"، إلا أننا يمكن أن نعدد بعضاً منها، فمن إيجابياته أن بات وسيلة للتواصل بين الأفراد والمجموعات البشرية بغض النظر عن مواقعهم، وهو أيضاً وسيلة للتزود بالمعارف العامة، والمعلومات الحديثة، وإنشاء منصات للتوعية والإرشاد والأعمال التطوعية والمسؤولية المجتمعية وتوفير فرص عمل للعاطلين أو المحتاجين لوظائف والترويج لمشروعات ومنتجات، بالإضافة إلى أنه كان طريقاً لتكوين صداقات جديدة بين الناس مهما كانت انتماءاتهم أو جنسياتهم أو أعمارهم، كما أنه ساعد البعض على اكتساب القليل من المهارات واللغات التي لم يكن يتقنها، وساعد الكثير على استعادة صداقات وزمالات قديمة من أيام الطفولة أو الدراسة بمراحلها المتعددة.


اختراق الحواجز وكسر التقاليد

ومن السلبيات على المستوى العربي وبالذات في جزئية العلاقات الاجتماعية أنه أسهم في مساعدة البعض على اختراق الحواجز وكسر التقاليد في المجتمعات المحافظة، فباتت شؤون البعض الخاصة تعرض للجميع، وهناك من لا يتحرج من الحديث عن تفاصيل حياتية دقيقة أمام الملأ، وصارت العلاقات بين الجنسين أكثر سهولة، وتحدث خارج الرقابة الأسرية، وربما قلل "فيس بوك" من التواصل العائلي المباشر، فالكل يعرف أخبار الآخرين من خلال الموقع، وتقلص عدد الاتصالات الهاتفية أو الزيارات، وصار السؤال عن الآخرين يجري عبر الموقع وكأنه أمر اعتيادي لا غبار عليه، الأمر الذي لا يريح الكثير من الناس.
ويرى البعض أن "فيس بوك" قاد عدداً لا بأس به من الشباب إلى الإدمان عليه، وإلى العزلة عن البيئة المحيطة، فالانشغال بالمتابعة أو الكتابة على الموقع بات هماً لحظياً، تسبب في مشاكل للبعض، فأضر بالمستوى الدراسي لعدد من الطلاب والأداء المهني لبعض الموظفين، وفضح أسراراً كانت طيّ الكتمان، وكثيراً ما أدى إلى خسارة صداقات خيّل لأصحابها أنها متينة بسبب تعليق أو "لايك"، أو إلى انتشار أخبار غير صحيحة يراد ترويجها للتأثير على دولة أو جهة أو شخص.
أي باختصار، هناك وجهان لموقع "فيس بوك"، وجه مشرق يحمل الطيبة والجمال وينسجم مع العقلية العربية، ووجه يتعارض مع القيم العربية والمثل التي ألفها الناس.






التحليل العام:

من خلال ما تقدم يمكن القول إن موقع "فيس بوك" بالدرجة الأولى وغيره من مواقع التواصل، تعد منصات مفيدة للحكومات لقياس مؤشرات التوجهات الجماهيرية، خاصة شريحة الشباب، من خلال توظيف البيانات والمعلومات التي تقدم رؤية عن الرأي العام، وبالتالي الاستفادة منها في الإصلاح، ولو أن الحكومات العربية في الدول التي شهدت اضطرابات في العام 2011 وما تلاها من تداعيات، التفتت إلى تزايد عدد مستخدمي "فيس بوك"، لأدركت أهمية معرفة ما يدور فيه، ولو أنها تنبهت إلى ما يطرحه الناس في صفحاتهم، وأصلحت مواقع الخلل لديها، لربما تفادت الكثير من الأسباب التي أدت إلى ما حدث ويحدث من فوضى قادت إلى تردي الأوضاع فيها.
كذلك، يمكن توظيف موقع "فيس بوك" وغيره إيجابياً للتطوير والحصول على أفكار واقتراحات جديدة من الناس في مجالات خدمية ومعرفية متعددة.



جزء من الحياة اليومية للبشر

أصبح موقع "فيس بوك" جزءاً من الحياة اليومية لعدد هائل من البشر، والمنطقة العربية جزء من هذا العالم، وكي تكون الاستفادة منه مثالية للحكومات والأفراد، يفترض بالحكومات أن تتابع مختلف الآراء السلبية والإيجابية فيه، فكل التفاصيل المطروحة تقدم لها معلومات، ويفترض أن يشعر الأفراد بالمسؤولية، فيتم التوجه إلى توظيف استخدام "فيس بوك" للتواصل الاجتماعي الفعلي، والحوارات المثمرة. ومن الأفضل تخفيض عدد ساعات الاستخدام كي لا تتحول الحالة إلى إدمان غير مرحب به.
كذلك لا بد ضبط استخدام طلاب المدارس للموقع كي لا يؤثر استخدامهم الزائد على التحصيل الدراسي، وعلى أي شخص ألا يقبل صداقات وهمية، لما قد يضر ذلك بطبيعة التواصل الحقيقي، ولا ينجرف وراء الأخبار المنشورة على "فيس بوك" قبل التيقن منها، ويعتمد مبدأ الخصوصية في المعلومات أو الأخبار ذات الطبيعة الأسرية أو الشخصية. ويضع الصداقات الحقيقية في المقام الأول، فلا يدع الشخص مجالاً لتعليق أسيء فهمه أن يؤثر عليها. وعلى أي فرد أن يرتب سلم الأولويات تبعاً لوضعه، فللموظف العمل أولاً، وللطالب الدراسة أولاً .. وهكذا.
وهناك ملاحظة مهمة، وهي أهمية ممارسة التواصل الفعلي مع الأهل والأقارب والأصدقاء وجعل "فيس بوك" مرحلة تالية أو رديفة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق