صبحي دسوقي، إشراقات: الموت - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الثلاثاء، 5 مايو 2020

صبحي دسوقي، إشراقات: الموت

صبحي دسوقي، زاوية إشراقات: الموت
صبحي دسوقي، زاوية إشراقات: الموت

صبحي دسوقي*

إلى كل الأحبة الراحلين
مدخل: الموت فن ككل شيء آخر وإنني أتقنه تماماً... 
(سيلفا بلاث) 
*****

إنني أموت ببطء
إنني أموت ببطء
ببطء
هل تفهمون؟
***** 


بقرار حازم لم يسبق له مثيل في حياتي، قررت فجأة أن أموت، أوقف الدورة الدموية عن دورانها الروتيني الممل، تبرد أعضائي تدريجياً ثم تنقطع كل علاقاتي مع العالم الآخر.
استمعت إلى فيروز بعد أن استلقيت على البساط الممزق في غرفتي المتآكلة، طافت عيناي في فراغ الغرفة، تسمرتا على الكتب المتراصة ثم قفز إلى ذهني تساؤل:
ـ ترى ما مصيرها بعد موتي ...؟
وقبل أن يستقر التساؤل تماماً في مخيلتي قفزت وأمسكت بقلمي، القلم الناشف الوحيد الذي أملكه وعلى طريقة المسلسلات والأفلام العربية بدأت أكتب وصيتي:
1. كل ما أملك من كتب ومجلات وجرائد وأوراق تصبح من ممتلكات حبيبتي.
وانطبعت في مخيلتي صورة لغرفتها الرائعة التي لا ينقصها شيء إلا الكتب.
2. المسجلة المتعبة والأشرطة وقلمي الوحيد والعشر ليرات التي تنام في جيب بنطالي الأسود تعود لأول صديق يكتشف موتي.
3. البنطالان والقميصان والكنزة السوداء يأخذهم صديقي (ذيب). 

ثم تحسست ألبستي الداخلية وشطبتها من القائمة.
4. القصص الأخيرة التي كتبتها مهداة إلى صديقي "ميشا" الذي أصبحت أخاف رؤية عينيه الحزينتين بعد خروجه من السجن.
تمددت على الأرض، أغمضت عيني ومت.
دخلت والدتي الغرفة، شحب وجهها، سقط والدي أرضاً وهو يجيل النظر في محتويات الغرفة وارتفع صوته هامساً:
ـ من أين سنؤمن نقوداً لدفنه؟
أجهشت شقيقتي الصغيرة في البكاء، همس شقيقي:
ـ لدي فكرة.
وسرعان ما وافق الجميع على فكرته فقد كانت ذكية فعلاً، أمسكوا البساط الممزق بعد أن أحاطوني به، وحملوني بهدوء إلى الشارع، ابتعدوا عن المنزل، داروا في شوارع وأزقة ضيقة ثم وصلني همس شقيقي:
ـ وهكذا ستتكفل الشرطة به وسيدفن على نفقة الحكومة.
أمضيت الساعات المتبقية من الليل على الرصيف وحيداً إلا من أصوات كلاب بعيدة، بدأت أحس الوحشة، وعندما وصلني نباح الكلاب سررت ثم فكرت أن أشاركها النباح إلا أن أصوات الأقدام المقتربة حطمت رغبتي هذه.
كانت الأقدام تجتاز الزقاق الضيق وتتوقف ناظرة إليًّ وإلى البساط الممزق، حاول أحد المارة أن يأخذ البساط لكن الأصوات حذرته:
ـ سيتهمونك بقتله، دعه إنه ممزق ولا يستأهل السين والجيم.
لمحت سيارة تقترب مسرعة وكادت تفلت من شفتي ضحكة عندما حملوني ووضعوني بداخلها لولا أني تذكرت في اللحظة المناسبة أني رجل ميت والأموات لا يضحكون، فهذه هي المرة الأولى في حياتي التي أركب فيها سيارة دون أن أدفع الأجرة مسبقاً.
في المستشفى أدخلوني البراد الخاص بجثث الموتى وكانت إلى جواري ثلاث جثث، جثة لطفل صغير قتل بحادث سيارة، وأخرى لرجل قتل بحادث ثأر، والثالثة لازال سبب مقتل صاحبها مجهولاً.
هكذا تعرفت على زملائي في البراد من خلال الحوار الذي دار بين رجلين مكلفين بحراسة البراد واختتم الرجل القصير منهما كلامه بقوله:
ـ وهذا الحيوان ... كيف قتل؟
لم أسمع إجابة زميله فقد حال دون ذلك إغلاق باب البراد.

*****







لساعات طويلة كان على جسدي أن يشاهده كل الذين عرفتهم وعرفوني، أجمع أصدقائي على أنهم لم يروني خلال سني حياتي الطويلة وحتى إذا رأوني مصادفة فإنها لم تترك لديهم انطباعاً ولم يتمكنوا من حفظ اسمي وملامح وجهي.
سمعت صوت والدي يؤكد أنني سافرت إلى مدينة بعيدة للعمل فيها وأنها المرة الأولى التي يشاهد فيها هذا الشاب الميت، وأضاف:
ـ على كل حال الله يرحمه.. الفاتحة.
وشاركه عدد من الأصدقاء تلاوتها بصوت خافت، قال أحدهم:
ـ إنه يذكرني بممثل (كومبارس) في أحد الأفلام الأجنبية وتابع لا أعرف هذا الميت.
كدت أنهض لأعانق صديقي (ميشا) الذي اقترب مني وهو يهمس بألم:
ـ إنه صديقي.
وسجلت كلماته من قبل كاتب التحقيق، وطلبوا منه عدم مغادرة المدينة، فقد يطلبونه مرة أخرى للإدلاء بأقواله حولي.
قال صديقي الصحفي وهو يمسك قلمه ويهيئ الأوراق:
ـ لا أعرفه... لكنه يستحق رثاءً حزيناً على كل حال.
عندما أعادوني إلى البراد مرت في ذاكرتي مواقف الأصدقاء والأحبة ونكرانهم لي، أحسست أنني مخذول وحزين ووحيد، ووجدت نفسي أمام عدد من الخيارات، وقفت أمامها متردداً:
ـ ترى هل أخرج من البراد... أم أبقى مستسلماً بانتظار حملي إلى مدافن الأبدية.



* قاص وصحفي سوري 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق