عصام حقي: قمر في بغداد - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الأحد، 17 مايو 2020

عصام حقي: قمر في بغداد

عصام حقي: قمر في بغداد .. علي بن زريق البغدادي
عصام حقي: قمر في بغداد


عصام حقي

لأن الفقر في الوطن غربة، ولأن الجوع في الوطن غربة، ولأن تضوُّر من حوله جوعاً أشد قسوةً من جوعه، فقد عزم الشاعر العباسي ابن زريق البغدادي على السعي في الأرض طلباً للرزق وسعة العيش.. عزم على مغادرة وطنه، باحثاً عن حياة جديدة
وليترك زوجته (ابنة عمه) وحيدة بين أنياب الفقر ومخالب الوحشة.. ويختار النفي الخارجي له بالغربة، والنفي الداخلي لها بالوطن.

* * *

بكت بحرقة ولوعة وتعلقت بحواشي ثوبه، وناشدته بالعدول عن قراره الزؤام.. لكنه وقد ذاق مرارة العيش وذل المهانة والخنوع، امتشق بقلب ممزق، وضمير معذب عصا الترحال، ماسحاً بيده دمعة عزت من قبل كما تعز دموع الرجال، ميمماً وجهه بعيداً، بعيداً، والأندلس نصب عينيه.
* * *

ويحط الرحال فيها، ويتصل بالأمير أبي الخير عبدالرحمن الأندلسي، ويمدحه بقصيدة طويلة، لكن الأمير لم يكافئه بما كان يحلم، فأصابه على همه همّ وعلى حزنه حزن، فانكفأ على ذاته واعتزل الناس، وراح يخط قصيدته العينيّة المعروفة التي وجدوها على رقعة قربه، كتبها وهو يفارق الحياة.
لقد غرّب يوماً باحثاً عن شروق نفسيّ، يحفظ له ماء وجهه. شروق لم يجده قدامه، فأخذ يتذكر حبيبته (ابنة عمه) وما آلت إليه حالها، ويطالبها ونفسَه بالكف عن لومه وعذله على ماجناه عليها وعلى نفسه، لأن هذا اللوم على أنه حق، يزيد من ألمه وشوقه وعذابه:
لاتعـذليــــه فــإنّ العــذل يولعــهُ
                                      قـد قـلتِ حقاً ولكن ليس يســمعه ُ
جاوزتِ في نصحه حداً أضر به
                                      من حيث قدرتِ أن النصح ينفعهُ


* * *

ويخاطبها شاكيا ألم نفسه وقلبه، ويطالبها باللين في عتابها له إذا ما هي استمرت بالعتاب:
فاســتعملي الرّفــقَ في تأنيـــبهِ بدلاً
                                   من عذلِه فهو مُضنَى القلبِ موجعهُ
إنّه يحمل أعباء التشتت، ومخاطر الترحال والبعد عن الأحبّة، وفي كل يوم هو في لون جديد من ألوان الهموم والأحزان.
يكفيـــه من روعــة التفنيد أنّ لـه
                                   مـن النــوى كلّ يوم مـا يروّعــهُ

* * *

وكأنّ القدر قد أرغمه على هذه المعاناة في رحلة دائمة، فمن سفر إلى سفر، ومن أعباء إلى أخرى، وكأنما فُرض عليه أن يقطع أرض الله إلى الأبد:
ما آبَ من ســـفر إلّا وأزعجـــه

                                    رأيٌ إلى ســفر بالعــزم يزمعـه ُ
كأنّما هو في حـــلّ ومرتحـــــلٍ
                                    مـوكّلٌ بفضـــــاء الله يذرعـــــه ُ
وفي ختام قصيدته وقبل أن يلقي عصاه على عتبة الموت، يبدو عليه الندم، واللوعةٍ والأسى، وحيداً في فيافي الغربة الموحشة. ليصل إلى اليأس والقناعة بأن السعي لا يجلب الرزق وأن رغد العيش لا يقطعه:
ومـا مجاهــدة الإنســان توصـله
                                   رزقاً، ولا دعة الإنســان تقطعه ُ

* * *

وقبل أن يفارق الحياة يغمض عينيه في رحلة حلمه إلى بغداد وإلى ابنة عمه القمر الذي مازال هناك منتحباً بانتظاره، فيستودعها الله ويضعها أمانة بحفظه ورعايته:
أســتودع الله في بغــدادَ لي قمراً
                                   بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه ُ
ودّعــتـــه وبــودّي لو يودّعــني
                                   صـــفو الحيــاة وأني لا أودعــه ُ


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق