صبحي دسوقي: المعــلم - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الجمعة، 15 مايو 2020

صبحي دسوقي: المعــلم

صبحي دسوقي المعلم
صبحي دسوقي المعلم

صبحي دسوقي *

تنفس المعلم بارتياح وهو يمسح عينيه بالوجوه الصغيرة التي تجلس أمامه، شد قامته وألصق يديه ببعضهما:
- رائع أن يمتلك الإنسان صورتين، صورة للحلم وأخرى للأرصفة، صورة للحلم لكي يستطيع أن يتنسم لهاث البحر وهو يتمطى في الصحراء، وصورة للأرصفة لكي يحتضنها حين يهجره الآخرون.
تابع الأطفال المعلم وهو يتحرك أمامهم بسرعة، نظر المعلم من زاوية عينيه إلى الشارع وابتسم:
- الريح قادمة. يجب أن نحبها ونعمل على أن تأتي سريعاً.
رفع تلميذه يده الصغيرة وهمس بصوت متهدج:
- أستاذ ...!
بوغت المعلم ونظر إلى الطفل ملياً، وقف الطفل بارتباك:
- ما اسمك يا أستاذ؟
بحركة لا إرادية انشدّ وجه المعلم إلى الشارع، ثم أعاد تصفحه للوجوه الصغيرة من دون أن يبتسم:
- اجلس..
قالها للطفل وعقد يديه أمام صدره، وقف قليلاً أمام النافذة ثم تابع سيره بين الأطفال.
- الصدق مشكلة، ومشكلته أنه يعتبر شذوذاً في هذا العالم الموبوء، الكل ينادي بالصدق لكنهم يسلكون سلوكاً مخالفاً لآرائهم، الصدق مشكلة لكنني مستعد للتضحية بذاتي من أجل الاحتفاظ بنقائي وبهذا الصدق، ويجب أن تعملوا على ممارسة الصدق مع ذواتكم ومع الآخرين دائماً.
كتم طفل ضحكته وهو يسأل:
- ما هو الصدق...؟ أسـتاذ 






حدق المعلم بالطفل فشد قامته، نظر المعلم إلى طفل آخر فوجده متشاغلاً بأوراق يعبث بها.
- ماذا تفعل...؟
أمسك الطفل بالأوراق بقوة وزحف الذعر على وجهه، اقترب المعلم منه، جذب الأوراق، فسقط وجهه على الطاولة وشرع ينتحب، قلَّب المعلم أوراق الدفتر وابتسم، أعاد الدفتر إلى الطفل بهدوء، فوقف أكبر الأطفال:
- لماذا فعلت هذا أستاذ ...؟
- ضرورات المهنة.
- وما ضرورات المهنة ...؟
- أن تفعل ما لا ترغبه.
- لم أفهم أستاذ..
اقترب المعلم من الطفل وداعب شعره:
- ما دمنا معاً فستفهم أشياء كثيرة.
- لا نريد أن نفهم شيئاً.
- اسكت..
صرخ المعلم به وأحس بألم يسري في داخله.
- والآن سنبدأ الدرس.
قالها فامتدت أيدي الأطفال لتخفي تثاؤباً طويلاً ارتسم على وجوههم:
- واحد زائد واحد كم يساوي...؟
فاصطدمت الأيدي من جديد بالمقاعد وبسرعة، اختار المعلم طفلاً آخر:
- أربعة أستاذ..
ارتبك المعلم ثم أدار ظهره للأطفال وبدأ يسجل على السبورة:
- 1+ 1 = ....
ثم رسم تفاحة إلى جوار أخرى، ثم قلماً وقلم آخر، وسمع وهو يكمل عمله همهمات من ورائه.
- واحد زائد واحد كم يساوي.؟
قالها وهو يحدق بالوجوه الصغيرة ثم أردف:
- تفاحة زائد تفاحة. قلم زائد قلم آخر
صرخ طفل:
- أنا أستاذ. أنا أستاذ. أنا ....
ثم أكمل الطفل صراخه من دون أن يشير له المعلم بالإجابة:
- أربعة أستاذ
- اجلس
همس للطفل وعاد يسجل على السبورة:
- 1 + 1 = 2
ثم نظر إلى الأطفال:
- هذه يد، وهذه أخرى، كم تساويان؟
صرخ الأطفال وبصوت واحد:
- أربعة
استجمع المعلم قواه وصرخ:
- واحد زائد واحد يساوي اثنين.






ردد طفل صغير إجابة المعلم بصوت خافت، فارتفعت الأصوات باعتراض شديد.
- واحد زائد واحد يساوي أربعة.
ووقف طفل دون أن يطلب الإذن بالحديث
- المختار قال: واحد زائد واحد يساوي أربعة.
ابتسم المعلم.
- المختار يا أطفال لا يفهم بالأمور الدراسية هو رجل أمي.. و ....
زحف الذعر على وجوه الأطفال وأخذوا يتدافعون إلى الخارج، حاول المعلم منعهم، ففشل، تبعهم وهو يصرخ بهم طالباً منهم الرجوع، وقف في باحة المدرسة فتحلقوا حوله وارتفع صراخهم:
- المعلم جاهل ... 

اقترب المختار ورجاله من الحلقة التي ازدادت اقتراباً منه أخذ يدفعها بقوة، يدفعها، يدفعها، يد..
همس المختار:
- المعلم مجنون اتصلوا بالمدينة.
بينما التصقت الحلقة تماماً بالمعلم.
في الصباح دخل المعلم قرية جديدة، تنسم هدوءها بارتياح وهمس معزياً نفسه:
- على كل حال هي أجمل من كل القرى التي مررت بها.
صفق الأطفال وسبقوه إلى غرفة الدراسة، وضع حقيبته إلى جوار الباب وطافت عيناه بالوجوه الصغيرة، شد قامته وسأل:
- واحد زائد واحد كم يساوي.؟
ارتفعت الأيدي فاختار أقربها إليه:
- عشرة.. أستاذ.
تماسك المعلم:
- المختار يا أطفال لا يدرك شيئاً في الأمور الدراسية. المختار رجل أمي.. المختار..
ونظر إلى حقيبته وهو يتابع حديثه بحماس زائد وابتسم.
-----

* قاص وصحفي سوري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق