أمان السيد: "ليلة تيقّظ فيها الأرق" - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الجمعة، 17 يوليو 2020

أمان السيد: "ليلة تيقّظ فيها الأرق"

د. عبير خالد يحيى ومجموعتها القصصية



أمان السيد

أمان السيد

قراءة في "ليلة نام فيها الأرق" للدكتورة والكاتبة السورية عبير خالد يحيى 

قد تتضارب الآراء بشأن أيّهما أكثر جذبا لمن سيقتنون الكتاب، غلافه، أم عنوانه. النّقاد ومحللو الأعمال الأدبية يتّكئون عادة على العنوان باعتباره المنصّة التي سيرتقون منها إلى العمل المطروح، أما الغلاف، فله دلالته أيضا باعتباره التّماسّ البكر، أو المصافحة الأولى التي اختارها المؤلف لتتواصل مع عين المتلقي وذائقته النفسية، والفكرية، ولكن تظل للعنوان مكانته إذ من بعده سيصبح المتن مُعرّى بما يحمل من مضامين أخلاقية، وإنسانية يقيّم من خلالها العمل الأدبي.


تفاصيل ضيّقة الأبعاد

ولو أننا أسقطنا ذلك على المجموعة القصصية "ليلة نام فيها الأرق" للدكتورة الكاتبة "عبير خالد يحيى"، فنحن أمام تناقض يتبدّى فاصلا بين ما تأخذنا إليه مكوّنات لوحة الغلاف، وما يستجلبه عنوان الكتاب إلى البال. اللوحة حملت تفاصيل ضيّقة الأبعاد تحصر المخيلة في امرأة أرِقة تترّقب الصباح، أما العنوان، فقد حمل بالإضافة إلى اختلافه مع الغلاف إشكالية قد تحسب للكاتبة، أو تحسب عليها.
متى خرج الكتاب للنشر استُودع الحكم فيه للقرّاء، ولنّقاد يتناولونه بالتحليل والدراسة، والذين يُفترض بهم الإخلاص للعمل حيادًا بالإضافة إلى الدّقة، والشفافية، والنزاهة في الطرح، والأهم من كل ذلك أن يكونوا متمكنين من أدواتهم النقدية ثقافة، وسعة اطلاع، تسمحان لهم بنقد جوّانيّ موضوعي وبنّاء.
كما هو معروف، فإنّ كثرة من النقاد بطرحهم المُفصّص الواعي يرتفعون بالكتاب، ومنهم من يخرج في التّأويل عمّا قد لا يكون في بال المؤلف أصلا، ومنهم من يُسقط ما هو مرتفع في أصله حين لا يتغلغل التّغلغل المطلوب منه في دواخل المؤلف، ومتاهاته.
في الأدب أعمال ذات جودة أسفّ بها نقّادها، وأعمال متواضعة حُوبي بها كاتبوها، وفي كل هذا يظل العمل الأدبي هو الخاسر، لذا فالتّعويل على الناقد، أو المحلل في ذلك بعد أن تنطلق اليمامة من كفّ صاحبها، وحينها يغدو ما يقدّم من دراسة جاذبا لمُداناة هذا العمل الأدبي، أو مُباعدا عنه.




استثارة المخيلة

أعود إلى العنوان، فلا بد من وقفة عنده بما أنه الوسيط في الولوج إلى عالم الكاتبة، فقد جاء مجاوزا الكلمة والكلمتين إلى صورة بلاغية تستثير المخيلة، وتدفع القارئ إلى التصوّر أنّ الكتاب دُوّن عابرا ليلة، لا غير، ليلة منكرة مُدلهمّة الوطء، إثر خصام ونزاع فيها مع الأرق، برغم أن العنوان يُفسّر بخلافه، فالأرق الذي قد يحمل وجهين: القلق المثمر المبدع، وقلق الوسن المحبط، والذي استسلم، وطاب له النوم في خدر الكاتبة متلذّذا، يفاجئنا، ونحن نرتشف القراءة قصة قصة، ويدفعنا للتساؤل عنها شخصيا، هل تُراها قد احتالت لتدخلنا عالمها بانقياد المطمئنّ، غير مترقبين ما يحفل به من التقاطاتها اليومية لعوالم تحفّ بها، يتماوج فيها الخوف بالرعب، والألم بالعجز، انكساراتُ شخوصها، وهم يعيشون معارك نفسية تتوقّد في كل لحظة، فهم مُؤرّقون، مُغيّب الفرح من طرقاتهم، وإن كسا بعض الوهج ثوانيهم، ليصعقنا الوخز الذي يَخز جلودهم، وقلوبهم، فهم ما بين أب ينتظر خبرا عن ابنه، وأمّ تضرب كفّا بكفّ حسرة، وشهيدها يُزفّ إليها مرفوعا على النعش، ليأتيها الآخر مُلملمة أعضاؤه في صرّة، وما بين عشق ترعرع في قلبين، ثم تلاشى كما تتلاشى اللحظات السعيدة بخفة الذرة في الهواء، لتصرع العاشقة رؤيتها خطيبها مسجّى على طاولة التشريح، أداة تشهد على قذارة الحرب التي تقضي بإفناء الحب.

الوطن الأم

الكاتبة التي تُهدي مؤلفها "إلى أرواح لفظت عنوة خارج أجسادها، وتريد العودة إلى أوطانها"، تضعني أمام التّنكير الذي قدّمت به اللفظة، وكأنّي بهطول لا يتوقف فيه الفقد، والموت ضمن واقع تفترسه الحرب. ليس بالضرورة أن يُقصد بها فقط الحرب البشعة، وما تلحقه من الويلات في سورية، الوطن الأمّ للكاتبة، إذ نستطيع أن نعتبر أنّ الجسد وطن، وأنّ العقل وطن، وأنّ الروح بخاصة هي الوطن للجسد، فيكون التّغريب، والإقصاء اللذان عبّرت عنهما الكاتبة باستعارة "اللفظ" أبشع، وأفظع ما تُمنى به تلك العناصر وغيرها، ويأتي استهلالها بقصة تحت عنوان "يوم متّ" حاملا الانفتاح على المُطلق أيضا، وإشارة دالّة على ذلك العالم المُعاق المشوّه الذي تؤمل فيه رحمة الله حين تختمها بالارتداد الأخير للمخلوقات إلى خالقها، عبر الآية الكريمة "إنا لله وإنا إليه راجعون".
هي بعض من القصص العشرين في الكتاب، طاب لي الوقوف عندها، والغوص فيها لسبب أو لآخر، إذ إنّ الخوض يطول لو كان سيتتبع القصّ كله.

تلاحقات مدهشة

في قصة "الصفعة" تلاحقاتٌ نفسية مدهشة اصطادتها الكاتبة في زمن بخس هشّ وضيع في خلطه بين الجدّ والمزاح، بين القيم، واللا قيم، نزفُ التّعساء فيما بينهم، واستقواؤهم على من يماثلهم، فاختيارها سنّ الستين للمرأة بطلتها، هو بحدّ ذاته انطحان في بوتقة التردّي في أعراف أناس تبادلوها ثقافة شاعت بين الأوساط الشعبية، تشعّب إلى أوساط ذات ثقافة أعلى، حيث يظل المرء ابن أعرافه مهما تنصّل، فكيف، والمردود للعيش فتاتٌ في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل. نجد الكاتبة هنا، وقد خلقت من القناعة اعتقادا في نفس بطلتها تتصدّى به لأيّ حريق يُؤذن بتمرّد أو تغيير بلا طائل، والقناعة أيضا بعض جوانب تلك الأعراف التي يتقلّدها البسطاء حليّا يتوارثونها قارنين إياها بالإيمان والتّسليم. البطلة ابنة بيئة شعبية، وهو ما يطغى على أجواء الكتاب، وشخصياته، إلا ما ندر، هو الواقع المعاش اليومي المحيط بالكاتبة، وإن تغير مكان الإقامة بسبب الحرب، البيئة العربية المأزومة بالإحباط، والفقد، وبالحرمان، واللهاث اليومي وراء المعيشة، أو هو فرار من الحرب التي استعرت في الوطن الأمّ.
يُحسب للكاتبة في قصة "الصّفعة" تداخل الأمكنة بادئ الأمر مما أعطى للقصّة عمومية الحدث، وتأصّله، فـ "كفر سوسة" تجلب إلى الذهن "الغوطة" و"حرستا" و"دوما" ومثيلاتها في وطن الكاتبة، ولكن يُؤخذ عليها التّصريح فيما بعد حيث واكبت توقّع القارئ، فقد كان للتّخالط بين الأمكنة لذّته في تهييج مشاعر الحنين، واستذكار المواقف المماثلة، لا سيما وأنها سمات مشتركة سواء أكانت تلك الأزمات، أم المساومة، أم الاستغلال الفطري السائد في البيئات الشعبية بدافع من الفقر، والذي خلاله تُسْقط اعتبارات عدّة منها الأخلاق، وعنها يتفرّع التقدير لكبار السنّ.




كوميديا سوداء

القصة لا تحمل ابتكار الفكرة، فمثل تلك السلوكيات، والأحداث متداولة في الأوساط المذكورة سابقا، وهي مستنكرة في الوقت نفسه، لكن المستحدث إن وجد، فهو في القفلة التي قفلت بها الكاتبة القصة، ولعل غياب القيم وتشتّت الأسر ضمن الحرب هو ما أوحى لها بذلك، إذ يتضح للقارئ أن الشاب ليس معدوم الأخلاق حين استغل المرأة في طريق طويلة محتجّا بخلوّها من الحواجز والجنود، والحوقلة والبسملة اللتان لجأت إليهما المرأة الخائفة وهي تستقل سيارة الأجرة/ وتلك كلها تؤكد فكرتي عن التأثر بمعطيات الحرب ومفرزاتها، بالإضافة إلى ترسيخ المواصفات المشتركة للحاضنة الدينية الثقافية الشعبية في الوطن العربي/ وإنما هو في الحقيقة شابّ عازب كلّ همّه أن يأتي بامرأة تنظّف له بيته، وتعيد تنسيق الفوضى فيه. كوميديا سوداء عكست ذاك المزيج الذي نكّهته بروح الدعابة الإنسانية.

الهزيمة النفسية

ومما يلاحظ في المجموعة القصصية أن الكاتبة في لجوئها إلى تكرار ألفاظ، منها: الجسد، السرير، الإغماض، المشفى، حلم، أحلام، السّراب، الدّم، القبر، الموت، صفعة، أمّ، الخوف، إنما ترفد الأرق الوهمي الذي أوحاه لي العنوان، لتتفلّت عنوة منها ألفاظ أخرى: كالحرية، والوطن، والشهيد، والبحر، والمراكب، والمدينة، والحرب، والهزيمة، اللعبة الغبية، وما يماثلها، وكأني بها تتجنّب أن تكشف الأستار عن حقائق، وقناعات هي على تيقّن داخليّ منها، منتظرة من قارئها التوقيع عليها بالموافقة، إذ إنّ أغلب موضوعات الكتاب تدور في فلك الهزيمة النفسية، والذعر الذي افتقدته الأرواح حين لفظتها أجسادها/ أوطانها، يظهر ذلك جليا في قصتها "المنتصر في الحرب مهزوم" والتي حمّلتها إقرارا مباشرا، وهنا يمكننا التعليق باستفاضة عن الهزيمة ومضمونها المقصود، فالحدث الذي اختارته الكاتبة لم يكن من ابتكارها أيضا، إذ هو مما تتداوله وسائل الإعلام، وصفحات التواصل الاجتماعي ضمن ما أطلق عليه مصطلح "التّعفيش" الذي يأتي ممن لقّبوا بـ" الشّبيحة" في الوطن الأم تحديدا، وهم جماعة عرف عنه استيلاؤهم على مقتنيات بيوت تركها أصحابها هاربين من جحيم الحرب، ثم شرعوا ببيعها جهرا بأثمان تقلّ عن قيمتها بكثير. بطلة القصة الشابة "ندى" قد أرغمتها الحرب السورية على الخدمة في بيت مخدومة لم تنل الحرب منها مهلكا، حيث الحرب قسمت البيدر إلى أكثر من تلّة سبّبت الانقسام والتّشرذم في الآراء والمواقف منها، فكان الضرر من حصة الصّبية المُهجّرة قسرًا من جحيمها، وأوارها، وقد اتّخذت الكاتبة للقصة إطار تقديم عاطفيا لم يرتق إلى مستوى الحدث، رغم أنها تحمل من عمق الألم الإنساني أغوارا، ولكن يظهر لي أنها من سياسة النّأي بالنفس، ولها فيه مطلق الحرية لاعتبارات تراها، رغم إيماني أنّ الكاتب مطلوب منه أن يكون مباشر الموقف، ما دام قد امتهن هذه المهنة واختارها مسلكا، فالصبية "ندى" يغلبها حزن مجهول، تكشف الكاتبة عنه في نهاية القصة، مبعثه بعض المفروشات التي رأتها الصبية في البيت، وهي تنظّفه، وقد جُلبت إليه من "سوق التّعفيش" بعد أن اشتراها سيّد البيت بثمن زهيد، وهو يعلم أنها مسروقة، الصبية كانت تتهيأ للاقتران بشاب تحبه، ثمّ فقدته في الصّراع الدائر في الوطن. في خشب الأريكة بعض النّقوش تحمل اسميهما، وفي حشوتها مصاغ أخرجته. لم يكن في بالها بالطبع ما ستؤول إليه أحوالها.
هنا تسطع رؤية الكاتبة التي حملت الإقرار المباشر إيّاه في عنوان يساوي الانتصار بالهزيمة، والفوز بالانكسار رغم البون الشّاسع بينهما، فالمسروقات التي في "أسواق التّعفيش" لا تُقارن مطلقا بشقاء أصحابها، وأحلامهم المُجهضة، والوجع الذي رافقهم في رحلة التّهجير، والاستلاب لن يعرف الانخماد عمرا.




المجتمع المحيط

تأتي القصص في أغلبها ضمن دكاكين، وحوانيت مما يُتناقل، ويُحكى في مجتمع يحيط بالكاتبة، تعيش دقائقه، أو تسمع عنها، تسرده بأسلوب يكاد يقترب من الحكايات، خيمتُه سوادُ البشر، رغم تنوّع عناصرهم: طالب الطب، طالبات الجامعة، والثريّ الذي قامر، فاضطرّ إلى بيع طفلته، والمعلمة المؤمنة السّاذجة، والمُخبر، والمواطن المقموع، وغيرهم، ومما يلاحظ، فالكاتبة لم تترك للقارئ التكهّن، والاستنباط في أغلب خواتيم قصصها، ولم تتبع أسلوب النص المغلق، رغم أنه يحمل كثيرا من التّشويق، والتّأويل، فهي سرعان ما تهبه خاتمة أشبه بتكملة، أو شرحا لما سبق. ومثال ذلك في قصة "كتلة القذارة" فقد أنهتها بقولها: " كتلة القذارة الآدمية الآن تجوب الشوارع، تبحث في قماماتها عن كيس أسود، ضمّ أشلاء طفلة/ ص 43"، وفي قصة" نذور الوطن": " قبران متجاوران، شاهدتان متشابهتان، حملتا نفس العبارات، وبنفس التاريخ،.. والأسماء: الشهيدان الأخوان أحمد، وحسام/ ص48"، أستثني منها قصة "سيرة ذاتية" التي أعتبرها مختلفة في تركها التّوقع والتّكهّن، ودهشة الاكتشاف للقارئ الذي يتجلّى له أنه ليس أمام مفهوم السيرة الذاتية المتعارف عليه، بل هي عن قط شيرازيّ أشقر، قد يُحمّل في الإسقاط أيضا سيرة شهيد، أو مقاتل ممن تخلّفهم الحروب في ساحات الصراع الأخوي اليوم، ويأتي منها الإخبار حرفيا بقولها: "والموضوع: البحث عن أطراف صناعية للقط الشيرازي الأشقر الذي بترت قدماه إثر حادث دهس../ ص76".

أهوال المعاناة

أما القصة "مركب الغرب"، فأحسب لو أنّ الكاتبة وهبتها الجملة التي باشرتها بها: "أخيرا بين أزرقين"، لجاء العنوان أكثر التصاقا بأهوال المعاناة، وإعتاقا، واستدرارا لمشاعر، وتعاطف القارئ، ولا سيما، وأن الكاتبة قد انتقت للسّرد حدثا مرّا، وحسّاسا جدا، ساحته البحر والسماء، يحمل فظاعة اللجوء في الفرار خلال البحر، وتحت سماء مشرعة إلى الله، على مركب لن يصمد طويلا، وهو محشوّ بطالبي اللجوء، يقوده جلاد تسلطّ حين تهيّأت له الظروف، كما في شريعة الأقوى، قبطانٌ، الأرواحُ لديه طعمٌ في سنارة صيد، لا تأخذه الرأفة بطفل رضيع مريض يموت، فيأمر بالتّخلص منه حيّا كان، أو ميتا، فقط لأن صراخه يزعجه، أو لنفترض جدلا أنه قد خشي من ضمير يمكن أن يستيقظ، وهذا بالطبع مستبعد في أمثاله من تجار الحروب الذين يثرون على مآسي الشعوب، غير مكترثين إلا بحصد الدولارات.

أنتهي في القول إن المجموعة القصصية "ليلة نام فيها الأرق " للكاتبة السورية د."عبير خالد يحيى"، والتي صدرت عن دار النابغة للنشر، والتوزيع ضمن سلسلة الإبداع العربي، هي رجع أنين لليلة استطال فيها السّهاد، والإرهاق، وقُضّت فيها مضاجع الكاتبة إلى أن هبط ضوء الفجر شحيحا.

* كاتبة سورية مقيمة في سيدني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق