أمان السيد: شيء ما يدعو إلى القلق - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2020

أمان السيد: شيء ما يدعو إلى القلق

أمان السيد، نوافذ بحرية: شيء ما يدعو إلى القلق 


أمان السيد *

" لا بدّ للإنسان من أن يجد مكانا يذهب إليه. هل تُدرك ما معنى أن يكون للإنسان مكان يذهب إليه؟". أسئلة كثيرة جاءت على لسان بطل " الجريمة والعقاب" لـ" ديستويفسكي"، يمكن أن تؤوّل في مسارب مختلفة.

الحيّز المكانيّ ليس كل شيء، رغم أهميته بالنسبة للكائن الحي على الخصوص، فالنبتة التي يُغيّر لها مكانها ستشعر بالانتكاس فترة إلى أن تتأقلم مع التربة، والاتجاه الجديد للضوء، والهواء، والإنسان الذي يرتبط أشد الارتباط بالمكان ستشقّ عليه مغادرته، والحيوان أيضا، وتلك الموجودات في الكون سواء التي عهدناها، أم تلك التي لم نعهد. إن الأمر يبدو لي أكثر تشعّبا، حين الغوص به!

إنه بعض من الاستسلام الجوّاني في مغارة قد نستطيع أن نطلق عليها "السكينة الداخلية" والتي بفتح مغاليقها تفتح الحياة.

تجربة العزل القسري التي أعيشها لم تجعلني فقط أقدر قيمة الحرية، فأنا الحرّ في منعزلي، أنا أتنقّل، وأنا أفعل ما يحلو لي من قراءة، وكتابة، ورقص، وطعام، واسترخاء، وتكاسل، لكن، الأسر المرتفق بقلق خفي، أعترف أنه ينهشني، ويرسّخ قيود الانتظار حولي، وتلك الحدود التي سأرضخ لها قسرا، وأنا متأكد ألا شيء أجبرني عليها سوى التّكليف الذي أتى من قبل الحكومة، وتُرك لضميري.

الضمير الذي هو العلّة في المنطلق، والمسير، وردّات الفعل، والحياء الذي سيجلّلني لو خالفته رغم أنه لا عين ترصده، ولا بندقية، ولكنها الأشعّة الخفيّة التي تحرقني، وتأمرني بالالتزام. هنا أذكر حديثا جرى بيني، وبين أحدهم في معرض العزل هذا، أخبرني فيه بأنني أستطيع الخروج، لو أردت، وأجبت حينها: إنهما الأخلاق، والضمير، المتلازمتان اللتان أبتكر بهما طريق حياتي، فردّ مقاطعا: والدّين، الدّين قبل كل شيء!. صرخت، هناك شيء ما صرخ في داخلي: الأخلاق قبل أيّ دين، قبل أيّ انفعال، قبل أيّ توتّر، ورضوخ، وانفلات، وحرية، قبل أن أكون، وأن تكون، وألا نكون، غير أني صمتّ، فمسبقا أعرف أن بعض العقول تتشبث بها متلازمة داون ضمن نسق ليس بإمكانها أن تخرج عنه، رغم إساءتها استخدامه، وأدركت أني جنس عاقر أمامها!

" لمن أشكو كآبتي" قصّة الحوذيّ الذي فقد ابنه، وراح يبحث عن خارج من عزلته آملا أن يصغي إليه بما تجيش به نفسه، كان يريد أن يخرج هو الآخر عن خَرس نفسه، أن يجد له مكانا ما، أذنين، وقلبا مشرعا لاستقبال الفيض الإنساني، ولكن، هراء أيضا!

ما رواه "تشيخوف"، هو أنا، الحوذي، والفرس المغطاة بالثلج، والمنتظرة سوط سيدها ، نتأ الدّوي في داخلي مفرقعا، فأنا أريد التحدث إلى أحد ما عن هواجسي بصراحة، لكني لا أجرؤ، رغم أني أعتبرني ثرثارا نوعا ما حين أفضفض، وكثيرا ما أردع لساني، وأصوّب التّهم إلى نفسي، ثم أكرّر الأمر نفسه، مثل معتوه، ولكنني حقيقة، لا أندم، فمن الصعب جدا أن تكون غير أنت!

الحوذيّ يشعربالمعاناة، ليس أمام حيّز مكانيّ فيه يستلقي، ففي الأرض ما يزال متّسع لقدمين، ولجسد يخور آخر النهار منهكا، إنه مثيلي اللحظة في حاجة إلى مكان أذهب إليه خارجا من قماقم ذاتي، ومرتحلا من ثقوبها التي لا تنتهي.

أن تكون أو لا تكون، أن يكون لك ملاذ، أو لا يكون، قد يكونان معا تشكيلة اللغز التي يعيشها أحياء هذا العصر، والقلق الذي نهشني رغم تأكّدي أني معافى تماما، دفعني إلى كثير من الأسئلة التي تستلقي في بحار ديستويفسكي، وحوذيّ تشيخوف، وفرسه أيضا، قد أكون أصِبتُ بالكآبة حقا، وأترقّب أن يخرجني منها فكّ العزل؟! لكن، لا، فهناك فيض من أسئلة فلسفية عن العزلة، والسعادة التي يعايشها المرء فيها، وعن الكآبة أيضا، حيث كلاهما يسيران في خط واحد، ولا يمكن أن يكتب لهما الالتقاء!

نعم، لا بد للإنسان حقا أن يكون له مكان يذهب إليه، هل تدرك أيها القلق معنى أن يكون الإنسان جسدا يحلّق بجناحين مقصوصتين؟!

* كاتبة سورية أسترالية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق