محمد عوض الجشي: الصومعة والتجليات الربانية - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الجمعة، 29 يناير 2021

محمد عوض الجشي: الصومعة والتجليات الربانية

محمد عوض الجشي


محمد عوض الجشي

صومعته تتراءى أعلى القرية.. يعاودها قبل مغيب الشمس، يناجي الخالق، قلبه يموج تحناناً وشوقاً، يسبح في ملكوت السموات والأرض حتى يغلبه النعاس، ثم يترجل إلى بيته.. مهللاً مستغفراً، والدموع مبللة لحيته خفيفة الزغب.. وفي المساء يفترش الجمر الذي يبعث الدفء والوهج في الركن الشرقي .الذي يملأ.الضوضاء بسخاء عفوي ليلي، مزيناً  في بهاء وفضاءات يغمرها الهدوء والانسجام السرمدي.. تناغماً مع سويعات الليالي المعتقة بنكهة القهوة العربية التي يفوح لهيبها في دلة وأكواب لا تهتز أيادي حامليها وساقيها.



تجاذب أطراف الحديث

إنه حكاء من الطراز الأول الفريد.. أما في صرح وحضرة المجلس فيظل مستمعاً، صامتاً، ينظر إلى المتحدثين في انتباه وشوق، فرح وانبهار. لم يقاطع أحداً، ولم ينبجس أو يتنحنح، تأخذه سعادة الإنصات والانشداه إلى أبعد مدى.. هكذا علمته الخلوة وتجلت في مخيلته (الصومعة).. في حضرتهم يغدو ويصبح المضيف وهم الضيوف الكرام.. خاصة إذا تراءت في ذاته (الضيوف كرام أبرار).. أجل هم أهل الصروح وحماة الديار والقفار.. وأهل المروءة والنخوة..

نعم.. حين تنداح أطراف الأحاديث بين الجميع، سرعان ما ينتشى عرفاناً وتأدباً.. وتجليات صافية تُرى فوق جبينه.. ابتسامات براقة.. لا يعرف اللمز والغمز، صدره يملؤه الوفاء والتِحنان والبناء.. إذا ما لاحت في بؤبؤ عينه تجليات كرم الضيافة.. تراه يخدم المريدين والزائرين في أريحية سمحاء فيحاء.. في قوامه وبنيانه.. (زعيم القوم خادمهم). وما إن يبادر البعض بالرحيل عند انتهاء السهرة الايمانية، حتى يسرع مربتاً على الأكتاف بالمعاودة حباً وإكراماً وسلاماً..

الأيام تمضي على سجيتها، والليالي تمخر في روح الإنسان.. وجاء موعد السهرة من جديد، إنها (ديرة زعيم القوم).. لم يعتد القوم طرق الأبواب، دخلوا فرادى وجماعات، والجمر يتوقد لهيباً واشتعالاً، ودلات القهوة تسامر الجميع، وتتلهف ضاحكة إلى وجناتهم السمراء وأياديهم التي بدت بيضاء نقية.. دارت شذرات أحاديث إيمانية وجدانية تصلي على المبعوث رحمة للعالمين محمد صلى الله عليه وسلم. تتفكر في خلق السموات والأرض. تنشر ضياء الإيمان في أرجاء المعمورة.. أين صاحب الدار.. أين صاحب القلب المستنير.. وصاحب الصومعة. غلبت الدهشة الجميع.. الزعيم لم يظهر.. ولا تبدو له حركة أو خفة وغيرها..



الخروج الجماعي صوب الصومعة

بعد المشورة الجماعية، هرعوا صوب الصومعة، يا للعجب ويا للرهبة، ويا لجمال بهو الإيمان والنفحات الروحية والأشجان العذبة.. التسبيحات تطال عنان الفضاء وتخترق طبقات السماء. الصومعة ذات سلالم درجات علوية علية، صعدها المريدون خطوة إثر خطوة، كلما صعدوا الطبقات علت الدرجات وارتفع أفقها.. ومهج روائح الانعتاق فيوضات أمن وسلام ووئام.. إنها شفافية (زعيم القوم خادمهم) تموج في ملكوت ربانية اعتمرها الصدق والإخلاص والوفاء.. في روح نقية بيضاء أنصع من ثلج بكر.. وها هو يلح بالرجاء طالباً العفو والرحمة من رب العباد الله سبحانه وتعالى.. ارتقى في تجلياته إلى سماوات عذرية نقية بيضاء متجددة. وهكذا ظل مريدوه في صعود للحاق به مرددين مسبحين المولى عز وجل.. إنهم في سباق مع صاحب الصومعة.. لكن هيهات هيهات. غلب على بعضهم الرّان وحب الظهور، و"التفذلك" والتفيهق والتنطع، وغلبتهم العوالق وأخواتها.. وتنافسوا على حب الهوى وازدراء الآخر.

استمر يرتقي يرتقي صعوداً.. والآخرون يحاولون السباق واللحاق به، يحاولون ولو الإمساك بأطراف من ثوبه.. نادوا عليه.. صدحوا بالنداء، صرخوا أسرعوا وتسارعوا.. لم يلتفت إلى أحد منهم أبداً.. وظل يمضي إلى فضاءات الرحب والسعة والنقاء مناجياً رب العزة والأكوان..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق